المثال الثالث قوله: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ، وأعم من ذلك كله قوله: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} ، وكل شيء ذكره تمننا علينا كان ذلك مقتضيا لأمرين، أحدهما: شكره على ذلك كما ذكرناه. والثاني: إباحته لنا، إذ لا يصح التمنن علينا بما نهينا عنه، وقد تمنن علينا في كتابه بالمآكل والمشارب، والملابس والمناكح، والمراكب والفواكه، والتجمل والتزين والتحلي بالجواهر، فذكر تمننه بالضروريات والحاجيات، والتتمات والتكملات، وهو كثير في القرآن، فمنه ما هو جالب للمصالح كقوله: {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} ، ومنه ما هو دارئ للمفاسد كقوله: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} . ومن مدح الإله نفسه ما لا يخرج مخرج المدح بل يخرج مخرج تأكيد الأحكام كقوله: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} ، ذكر ذلك ترغيبا في الطاعات، وتنفيرا من المعاصي والمخالفات، وكقوله: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} ، فإنا إذا تأملنا نظره إلينا واطلاعه علينا استحيينا منه أن يرانا حيث نهانا، أو يفقدنا حيث اقتضانا. وكذلك قوله: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} ، لم يذكر ذلك تمدحا بسمعه، وإنما ذكره تهديدا لقائليه بخلاف قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ، إنما يتحقق الترغيب والترهيب بصفة السمع والبصر والعلم والقدرة والإرادة دون الحياة والكلام، فإنهما لا يذكران إلا تمدحا، أما الحياة ففي مثل قوله: هو الحي القيوم لا إله إلا هو. وفي مثل قوله: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} وأما الكلام ففي قوله: {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} يريد بمن يأمر بالعدل: نفسه سبحانه وتعالى. فإن قيل كيف يتمدح بالحياة ولا يصح تمدح غيره بها لاشتراك الحيوانات فيها ؟. قلنا: إنما يتمدح بحياة يختص بها بأزليتها وأبديتها وكونها غير مستفادة من أحد، ولا شريك له في ذلك، فلما انفردت