فإن قيل: ما مفاسد الجرائم التي شرعت عنها الزواجر؟ قلنا: أما القصاص في الأرواح فزاجر عن إزهاق النفوس وقطع الحياة وهي من أعلى المفاسد. وأما القصاص في الأعضاء ومنافعها فزاجر عن تفويت الانتفاع بالأعضاء في الطاعات والعبادات والمعاملات والأغراض التي خلقت هذه المنافع والأطراف لأجلها، والقصاص مشتمل على حق لله وحق للعبد، ولذلك لا يباح بالإباحة لما فيه من حق الله، ولا يؤخذ فيه عضو خسيس بعضو نفيس، وإن أذن المجني عليه وغلب فيه حق العبد فسقط بإسقاطه لأن الغالب من المجني عليه ومن ورثته استيفاؤه فلا يؤدي تفويضه إليهم إلى تحقق المفاسد لأنها تندفع بتشفيهم في الغالب.
وأما حد الزنا فزاجر عن مفاسد الزنا وعن مفاسد ما فيه، من مفاسد اختلاط المياه واشتباه الأنساب وإرغام أنف العصبات والأقارب، ولم يفوضه الشرع إلى من تأذى به من أولياء المزني بها، لأنه لو فوضه إليهم لما استوفوه غالبا خوفا من العار والافتضاح.
وأما حد السرقة فزاجر عن مفسدة تفويت الأموال التي يتوسل بها إلى مصالح الدنيا والدين، ويتقرب بها إلى رب العالمين. ولم يفوض الشرع استيفاءه إلى المسروق منه لغلبة الرقة في معظم الناس على السارقين، فلو فوض إليهم لما استوفوه رقة وحنوا وشفقة على السارقين.
فإن قيل: كيف تقطع يد ديتها خمسون من الإبل أو خمسمائة دينار بربع دينار أو بعشرة دراهم كما قال أبو حنيفة رحمه الله؟ قلنا: ليس الزجر عما أخذ وإنما الزجر عن تكرير ما لا يتناهى من السرقة المفوتة للأموال الكثيرة التي لا ضابط لها ولو شرط الشرع في نصاب السرقة مالا خطيرا لضاعت أموال الفقراء الناقصة عن نصاب الخطير، وفي ذلك مفسدة عامة للفقراء.
وأما حد الخمر فزاجر عن شرب كثير المفسدة للعقل الذي هو أشرف