المخلوقات والله لا يحب الفساد في شيء حقير، فما الظن بإفساد العقل الذي هو أخطر من كل خطير؟ ولذلك أوجب الحد في شرب اليسير منه لكونه وسيلة إلى شرب الكثير.
فإن قيل: هلا وجب الحد في إزالة عقله بغير سكر كالبنج وغيره؟
فالجواب: أن إفساد العقل بذلك في غاية الندور إذ ليس فيه تفريح ولا إطراب يحثان على تعاطيه، بخلاف الخمر والنبيذ فإن ما فيهما من التفريح والإطراب حاث على شربهما فغلبت لذلك مفسدتهما فوجب الحد لغلبة المفسدة، ولم تجب في البنج ونحوه لندرة الإفساد به.
وأما حد قطع الطريق فزاجر عن أخذ الأموال بالقطع وعن الجناية على النفوس والأعضاء بالقصاص، وإنما تحتم كما تحتم حد الزنا من جهة أنهم ضموا إلى جناياتهم إخافة السبيل في حق كل مجتاز بها، بخلاف من قتل إنسانا أو سرق ماله في خفية.
وأما حد القذف فزاجر عن هتك الأعراض بالتعبير بالزنا واللواط وهو مشتمل على حق الله عز وجل إذ لا يباح بالإباحة، وعلى حق الآدمي للآدمي لدرء تغيره بالقذف، وقد غلب بعض العلماء فيه حق الله عز وجل فلم يسقطه بإسقاط المقذوف، وغلب الشافعي رحمه الله فيه حق الآدمي فأسقطه بإسقاطه كالقصاص، ولم أقف على المفسدة المقتضية لرجم الثيب الزاني وقد قيل فيها ما لا أرتضيه. وكذلك المفسدة المقتضية لجعل الربا من الكبائر لم أقف فيها على ما يعتمد على مثله، فإن كونه مطعوما أو قيمة للأشياء أو مقدرا لا يقتضي مفسدة عظيمة تكون من الكبائر لأجلها، ولا يصح التعليل بأنه لشرفه حرم فيه ربا الفضل، وربا النساء، فإن من باع ألف دينار بدرهم واحد صح بيعه، ومن باع كر شعير بألف كر حنطة، أو باع مد شعير بألف مد من حنطة، أو باع مدا من حنطة بمثله، أو دينارا بمثله، أو درهما بمثله وأجل ذلك لحظة فإن البيع