مصورة، ولما رأى الأغبياء العمي عن الأمور الإلهية ربط المسببات من غير انفكاك في مطرد العادات، اعتقدوا أن المسببات صادرة عن الأسباب، وأن الأسباب أفادتها الوجود؛ فاقتطعوا ذلك عن رب الأرباب ومسبب الأسباب، وأضافوه إلى تلك الأسباب:
ولو أن ليلى أبرزت حسن وجهها ... لهام بها اللوام مثل هيامي
ولكنها أخفت محاسن وجهها ... فضلوا جميعا عن حضور مقامي
وما أشد طمع الناس في معرفة ما لم يضع الله على معرفته سببا، كلما نظروا فيه وحرصوا عليه ازدادوا حيرة وغفلة، فالحزم الإضراب عنه كما فعل السلف الصالح، والبصائر كالأبصار فمن حرص أن يرى ببصره ما وارته الجبال لم ينفعه إطالة تحديقه إلى ذلك مع قيام الساتر. وكذلك تحديق البصائر إلى ما غيبه الله عنها وستره بالأوهام والظنون والاعتقادات الفاسدة كم من اعتقاد جزم المرء به وبالغ في الإنكار على مخالفه ثم تبين له خطؤه وقبحه بعد الجزم بصوابه وحسنه. ومن السعادة أن يختار المرء لنفسه المواظبة على أفضل الأعمال فأفضلها بحيث لا يضع بذلك ما هو أولى بالتقديم منه، والسعادة كلها في اتباع الشريعة في كل ورد وصدر، ونبذ الهوى فيما يخالفها؛ فقد قال تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} ، أي فلا يضل في الدنيا عن الصواب ولا يشقى في الآخرة بالعذاب. وقال ابن عباس في قوله: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} ، الكتاب والسنة {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} ما من طاعة يأتي بها الطالب على وجهها إلا أحدثت في قلبه نورا، وكلما كثرت الطاعات تراكمت الأنوار حتى يصير المطيع إلى درجات العارفين الأبرار {الَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} وهذا مما يعرفه المطيعون المخلصون. فإذا خلت الأعمال عن الإخلاص لم يزدد العاملون إلا ظلمة في القلوب، لأنهم عاصون بترك الإخلاص وإبطال ما أفسده الرياء والتصنع من الأعمال. وعلى الجملة فلو أن الرب سبحانه وتعالى