في ذهابه وإيابه، فإنه يتيمم، كي لا ينقطع عن سفره ويكون سفره سفر نزهة غير مهم في أمر الدين وتضرره لانقطاعه عن هذا السفر دون تضرره بما ذكرناه من المرض المخوف، وشدة الضنى، وبطء البرء، وظهور الشين، مع أن سفر النزهة من روعات النفوس التي لا يقصدها معظم العقلاء، بخلاف التضرر بما ذكرناه فإنه مقصود الدفع لكل عاقل.
ونظير هذا التشديد في باب التيمم، ما ذكره الشافعي ومالك - رحمهما الله في أن التحلل من الحج مختص بحصر العدو، وقد خولفوا في ذلك؛ لأن الآية دالة على جواز الخروج من الحج بالأعذار، فإن الإحصار عند المعتبر من أهل اللغة موضوع لإحصار الأعذار، والحصر موضوع لحصر الأعداء بدليل قوله: {وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ} وقال بعض أهل اللغة هما لغتان في حصر الأعداء، فإن قيل إن قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} الآية نزلت بالحديبية ولم يكن إحصار عذر وإنما كان إحصار عدو؟ قلنا: فإنها دلت على إحصار العذر بمنطوقها، وعلى إحصار العدو بمفهومها فتناولت الأمرين جميعا، ونبهت على أن التحلل بحصر الأعذار أولى من التحلل بحصر الأعداء.
فإن قيل: قد قرن بها ما يدل على أنها نزلت في حصر الأعداء، وهو قوله: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} فالأمن إنما يستعمل في زوال الخوف من الأعداء دون زوال الأمراض والأعذار؟ فالجواب أن الآية لما دلت على أن التحلل بالحصر أولى يرجع الأمر إلى ما دلت عليه الآية بطريق الأولى لا بطريق اللفظ، وإن جعلنا حصر وأحصر لغتين دل أحصر على الأمرين، ورجع لفظ الأمن إلى أحدهما دون الآخر، والذي ذكره مالك والشافعي لا نظير له في الشريعة السمحة التي قال الله - تعالى - فيها: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ، وقال فيها: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} ، فإن من انكسرت رجله وتعذر عليه أن يعود إلى الحج والعمرة يبقى