أعداد الركعات فسبح له الجماعة تنبيها على أنه أكمل الصلاة، فإن كانوا عددا تحيل العادة وقوع النسيان من جميعهم بنى الإمام على قولهم لعلمه.
فإن قيل: ماذا تقولون في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} وفي قوله عليه السلام:"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث". قلنا: أما الآية فلم ينه فيها عن كل ظن، وإنما نهى عن بعضه وهو أن نبني على الظن ما لا يجوز بناؤه عليه، مثل أن يظن بإنسان أنه زنى أو سرق أو قطع الطريق أو قتل نفسا أو أخذ مالا أو ثلب عرضا فأراد أن يؤاخذه بذلك من غير حجة شرعية يستند إليها ظنه. وأراد أن يشهد عليه بذلك على ظنه المذكور فهذا هو الإثم، وتقدير الآية اجتنبوا كثيرا من اتباع الظن إن بعض الظن إثم، ويجب تقدير هذا؛ لأن النهي عن الظن مع قيام أسبابه المثيرة له لا يصح؛ لأنه تكليف لاجتناب ما لا يطاق اجتنابه، إذ لا يمكن الظان دفعه عن نفسه مع قيام أسبابه، ولن يكلف الله نفسا إلا وسعها. وأما الحديث فإن التقدير فيه: إياكم واتباع بعض الظن، وإنما قدر ذلك لإجماع المسلمين على وجوب اتباع الظن فيما ذكرناه. وكذلك جواز اتباعه فيما أوردناه، واتباع هذه الظنون المذكورة سبب لعلاج الدنيا والآخرة، وإن ظنا هذه عاقبته خير من علم لا يجلب خيرا ولا يدفع ضيرا، فأكرم به من ظن موجب لرضا الرحمن وسكنى الجنان، وربما كان كثيرا من العلوم مؤديا إلى سخط الديان وخلود النيران، وقد شاهدنا كثيرا من أرباب هذه العلوم قد فارقوا الإسلام ونبذوا الإيمان وذموا علم الشرائع ومدحوا علم الطبائع {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} . فالسعادة كل السعادة اتباع القرآن، والتمسك بشريعة الإسلام وسنة النبي عليه السلام، ومن خالف ذلك فقد بعد من الله بقدر ما خالف منه فمن شاء فليقل، ومن شاء فليستكثر، وسيعلم المغرور إذا انقشع الغبار أفرس تحته أم حمار؟ وما مثل هؤلاء في هذا الزمان إلا كمثل المنافقين في ابتداء الإسلام.