فهرس الكتاب

الصفحة 344 من 516

وأما احتياج الأكابر إلى الأصاغر فنوعان: أحدهما: الاحتياج إلى المعاونة والمساعدة على القيام بمصالح الولايات. ولو تجويزها لقاتت مقاصد الولايات من جلب المصالح ودرء المفاسد.

النوع الثاني: القيام الأجسام الخاصة بهم وكذلك بالمنافع كالاستيداع والخياطة والكتابة والحراثة والنساجة والنجارة والتجارة والبناء والطب والمساحة والقسمة، وغير ذلك من أنواع ما يحتاج العباد إليه من المنافع، كالوكالة والإعارة والجعالة والسفادة والحلب وكراء الجمال والخيل والبغال والحمير والأنعام، وغير ذلك مما تمس الحاجة إليه أو تدعو إليه الضرورات لو لم يأذن الشرع في هذا بعوض أو بغير عوض، لأدى إلى هلاك العالم، إذ لا يتم نظامه إلا بما ذكرته، ولذلك قال - سبحانه وتعالى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} ، أي لتسخر الأغنياء الفقراء فيما يحتاجون إليه من المنافع المذكورة وغيرها، فإنه لو لم يبح ذلك لاحتاج كل واحد أن يكون حراثا زراعا ساقيا باذرا حاصدا دائسا منقيا طحانا عجانا خبازا طباخا، ولاحتاج في آلات ذلك إلى أن يكون حدادا لآلاته نجارا لها، وكذلك كل ما يتوقف عليه من جلب الحديد والأخشاب واستصناعها، وكذلك اللباس يفتقر قطنه وكتانه إلى ما يفتقر إليه الزرع ثم إلى غزله ونسجه أو جزه إن كان من الأصواف والأوبار والأشعار، ثم إلى غزله ونسجه. وكذلك المساكن لو لم تجز إجارتها لكان أكثر الناس مطروحين على الطرقات متعرضين للآفات وظهور العورات، ولانكشاف أزواجهم وبناتهم وأمهاتهم وأخواتهم، وكذلك كل حرفة من الحرف وصنعة من الصنائع لو لم تجز الإجارة فيها لتعطلت جميع مصالحها المبنية عليها لندرة التبرع بها، ولا سيما الدلاك والحلاق والحشاش والقمام لولا اضطرار الفقر إليه لما باشروه ولا أكبوا عليه، ولكن الله أحوجهم إلى ذلك فلا مسوءة لاضطرارهم إليه. ومن حكمته - سبحانه وتعالى - أن وفر دواعي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت