كل قوم على القيام بنوع من المصالح فزين لكل أمة عملهم وحببه إليهم ليصيروا بذلك إلى ما قضى لهم وعليهم. ولو نظر الناظرون في جل هذه المصالح ودقها، لعجزوا عن شكرها، بل لو عدوها لما أحصوا عدها، ولا قدر شيء منها إلا عند فقده وعدمه، فنسأل الله ألا يخلينا من فضله وكرمه، فلو فقد أحدنا بيتا يأويه، أو ثوبا يواريه أو مدفئا يدفئه، لما أطاق الصبر عليه، ولكننا لما غمرتنا النعم نسيناها. وكذلك احتاج النظراء إلى النظراء في المعاملات على المنافع والأعيان، وإباحتهما بالمعاوضات، والعواري والإباحات كالمآكل والمشارب والملابس والمراكب والأدوية وغير ذلك لو لم يبح الشرع فيه التمليك بالبيع وغيره لهلك العالم؛ لأن التبرع به نادر.
ومن هذه المعاملات: ما أجمع المسلمون على أنه فرض كفاية، ومنها ما أجمعوا على أنه ندب، ومنها ما أجمعوا على إباحته كالتتمات والتكملات من لبس الناعمات، وأكل الطيبات، وشرب اللذيذات، وسكنى القصور العاليات، والغرف المرتفعات. وعلى الجملة فمصالح الدنيا والآخرة ثلاثة أقسام كل قسم منها في منازل متفاوتات. فأما مصالح الدنيا فتنقسم إلى الضرورات والحاجات والتتمات والتكملات. فالضرورات: كالمآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح والمراكب الجوالب للأقوات وغيرها مما تمس إليه الضرورات، وأقل المجزئ من ذلك ضروري، وما كان في ذلك في أعلا المراتب كالمآكل الطيبات والملابس الناعمات، والغرف العاليات، والقصور الواسعات، والمراكب النفيسات ونكاح الحسناوات، والسراري الفائقات، فهو من التتمات والتكملات، وما توسط بينهما فهو من الحاجات.
وأما مصالح الآخرة ففعل الواجبات واجتناب المحرمات من الضروريات وفعل السنن المؤكدات الفاضلات من الحاجات، وما عدا ذلك من المندوبات التابعة للفرائض والمستقلات فهي من التتمات والتكملات. وفاضل كل قسم