فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 516

فإن الجيد من جنس هذه الأجناس أكمل مصلحة وأتم فائدة في باب الصدقات، مع القطع بأن أجره دون أجر ما ذكرناه في الزكاة، ومدار ذلك كله قوله عليه السلام عن ربه عز وجل أنه قال:"ولن يتقرب إلي عبد بمثل أداء ما افترضت عليه"، ولا شك أن هذا الحديث معمول به إذا ساوى الفرض النفل كما ذكرناه في درهم الصدقة ودرهم الزكاة، وفي حج الفرض وحج النفل وفي صوم الفرض وصوم النفل، فإنهما متساويان من كل وجه، أما إذا تفاوتا بالقلة والكثرة مثل أن يزكي بخمسة دراهم ويتصدق بعشرة آلاف درهم، وزكى بشاة وتصدق بعشرة آلاف شاة، فيحتمل في مثل هذا أن يكون الفرض أفضل من النفل من غير نظر إلى تفاوت المصلحتين، ويحتمل أن يخص الحديث بالعملين المتساويين في المصلحة كدرهم الزكاة مع درهم الصدقة، وشاة الزكاة مع شاة الصدقة، ولكن فيه مخالفة لظاهر الحديث، وليس ببعيد من تفضل الرب أن يؤجر على أقل العملين المتجانسين، أكبر مما يؤجر على أكثرهما، كما فضل أجر هذه الأمة مع قلة عملها على أجر اليهود والنصارى مع كثرة عملهم، وكما فضل أجر الفرائض على مساويها من النوافل طولا على من يشاء من عباده، وكما أن قيام ليلة القدر موجب لغفران الذنوب مع مساواته لقيام كل ليلة من ليالي رمضان. وكذلك العمل في ليلة القدر خير من العمل في ألف شهر مع التساوي. وكذلك الصلاة في المسجدين أفضل منها في سائر المساجد مع تساويهما في جميع ما شرع فيها، وإذا كانت الحسنة في ليلة القدر أفضل من ثلاثين ألف حسنة في غيرها، مع أن تسبيحها كتسبيح غيرها، وصلاتها كصلاة غيرها، وقراءتها كقراءة غيرها؛ علم أن الله يتفضل على عباده في بعض الأزمان بما لا يتفضل به في غيره مع القطع بالتساوي، وليس ذلك إلا تفضلا من الإله، إذ لا فرق بين وقت ووقت. وكذلك تفضله سبحانه في بعض الأماكن بتضعيف الأجور؛ كما جعل الصلاة في مسجد المدينة أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام مع التساوي بين الصلوات. ومما يدل أيضا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت