المثال الثالث والعشرون: دلالة الأيدي على الاستحقاق لأنه الغالب. فإن قيل: هذا ظاهر في بعض المنقولات كثياب الإنسان الذي هو لابسها وعدد الدواب المشدود عليها، والبر الذي في أيدي التجار. وأما ما اطردت العادة بإيجاره وخروجه عن يد مالكه إلى يد مستأجره وكالأراضي والدواب والقياسير والحمامات فإن الغالب فيها الخروج من يد مالكها؟ قلت: جوابه مشكل واعلم أن البينات مقدمة على هذه الدلالات، لأن الظن المستفاد من البينات أقوى من الظن المستفاد من هذه الجهات، والاقرار مقدم على البينة لأن الظن المستفاد منه أقوى من الظن المستفاد من شهادة الشاهد، لأن وازع المقر عن الكذب طبعي ووازع الشاهد شرعي. والوازع الطبعي أقوى من الوازع الشرعي، ولذلك يقبل الإقرار من كل مسلم وكافر وبر وفاجر لقيام الوازع الطبعي. ولكان كا الوازع عن الكذب مخصوصا بالمقر كان إقراره حجة قاصرة عليه، وعلى من يتلقى منه لكونه فرعه، ولما كان الوازع الشرعي عاما بالنسبة إلى جميع الناس كان حجة عامة فإن خوف الله يزع الشاهد عن الكذب في حق كل واحد فكان قوله حجة عامة لكل أحد، ولما كان وازع الإقرار عن الكذب مختصا بالمقر قصر عليه فهو خاص قوي، والشهادة عامة ضعيفة بالنسبة إلى الإقرار، قوية بالنسبة إلى الأيدي وإلى ما ذكرنا من الدلالات، وقد أجرى الله تعالى العادة بأن الظنون لا تقع إلا بأسباب تثيرها وتحركها فمن أسبابها استحضار الأصول، ومن أسبابها اطراد العادات فيما ذكرناه ومن أسبابها كثرة الوقوع من غير اطراد، ولا يتصور في الظنون تعارض كما لا يتصور في العلوم، وإنما يقع التعارض بين أسباب الظنون، وإذا تعارض، وإذا تعارضت أسباب الظنون فإن حصل الشك لم يحكم بشيء، وإن، وإن وجدنا الظن في أحد الطرفين حكمنا به، لأن ذهاب مقابله يدل على ضعفه، فمهما تعارضا سببا ظن، فإن كل واحد منهما