فهرس الكتاب

الصفحة 450 من 516

سعيد بن المسيب أنه سمع أنسا يدعو لصبي في الصلاة عليه: أن يعيذه الله من عذاب القبر، وليس هذا ببعيد إذ يجوز أن يبتلى في قبره كما يبتلى في الدنيا، وإن لم يكن له ذنب فيجوز أن يكون هذا رأيا من أنس، ويجوز أن يكون أخذ ذاك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يصلى على الشهداء فإنهم قد غفرت لهم الزلات لأن أول قطرة تقطر من دم الشهيد يكفر بها كل ذنب إلا الدين. فإن قيل: هلا صلي عليهم لرفع الدرجات كما صلي على الأطفال؟ قلنا: لو صلي عليهم لم يعرف أنهم قد استغنوا عن الشفاعات، فتركت الصلاة عليهم ترغيبا للناس في الجهاد. فإن قيل: لم ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على المدين مع افتقاره إليها قلنا؟ تركها تنفيرا من الديون، لما في العجز عن أدائها من مضرة أربابها، ولأن المدين إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن كثرة استعاذته من المأثم والمغرم فقال:"إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف". فإن قيل: قد صلى الصحابة على سيد الأولين والآخرين مع أن الله أخبره أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قلنا: كما أمروا بالصلاة عليه قبل موته أمروا بمثل ذلك بعد موته. فإن قيل: الدعاء شفاعة للمدعو له فكيف يشفع؟ قلنا ليست الصلاة عليه شفاعة له، ولكن قد أمرنا بأن نكافئ من أسدى إلينا المعروف وإن عجزنا عن مكافأته أن ندعو له بدلا من مكافأته، ولا معروف أكمل مما أسداه إلينا صلى الله عليه وسلم فنحن ندعو الله عز وجل أن يكافئه عنا لعجزنا عن مكافأته، المثال الثالث والعشرون: تكفين الأموات على الهيئة المعتادة - إكراما لهم - واجب. وكذلك تطهرهم من النجاسات، استثني من ذلك الشهداء فإنهم يدفنون في ثيابهم بكلومهم ودمائهم ليقدموا على الله عز وجل على وجه يوجب العطف عليهم والرحمة لهم، وهذا معلوم بالعادة أن العبد إذا ناضل عن سيده فقتل لأجل مناضلته ثم أحضر إليه ملفوفا في ثيابه مخضبا بدمائه فإنه يعطف عليه ويرحمه ويود مكافأته على صنيعته، لأنه بذل في طاعته أنفس الأشياء عنده وأحبها إليه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت