من مشاكل البُنْية والهيكل إشكالات البيعة؛ تشوَّهت قضية البيعة جدًا، فالأصل في البيعة أنّ الذي يطلب البيعة يشرح فِكره ومنهجه وطريقته وبرنامجه ومشروعه؛ فيُقنع الذي يريد أن يبايعه بمشروعه، فيبايعه على بصيرة، والأصل في الذي بايع على بصيرة أنه يسمع ويُطيع في المَنشط والمَكره.
فوقعنا في مسألة البيعة في خطأ من فوق وخطأ من تحت؛ فالذي يطلب البيعة ليس عنده منهج ولا فكر ولا مرجع ترجع له لتضبطه فتقول:"أنا بايعتك على أمر وأنت تفعل أمرًا آخر"، وليس عنده مشروع جهاد، فتبايعه ليجاهد في هذا المكان ويجاهد في مكان آخر، وبايعته لينفِّذ مخططًا معيَّنًا فينفذ مخططًا آخر، وتبايعه على قضية ثم تجده ترك الجهاد الذي جئت أنت لأجله وانتقل إلى قضية أخرى تمامًا.
فليس هناك منهج، وليس هناك مخطط، وليس هناك مقومات تنظيم، ويُطلب أن تبايعه هكذا على مجهول. فهذا خطأ، فهذه البيعة ليست بيعة إسلام؛ فالناس عندما بايعوا على الإسلام بايعوا الرسول -عليه الصلاة والسلام- على قول (لا إله إلا الله) وعلى فعل كذا وكذا، ونحن كلنا الآن مسلمون والحمد لله.
وهذه البيعة ليست بيعة إمام أعظم، هي ليست مثل بيعة أمير الطالبان الذي عنده أرض وعنده شوكة وعنده أعوان؛ فأنت تبايعه على السمع والطاعة لأنه إمام صحيح. لكن أنت تبايع رجلًا مطاردًا مثلك يحاول أن يُقيم مشروعًا، فيجب أن تبايعه على منهج وعلى فكر وعلى قضية واضحة، فهم ليس عندهم منهج ولا فكر ولا قضية واضحة.
فتجد شخصًا عنده منهج أوضح من آخر، وتجد شخصًا عنده منهج جيّد، وتجد شخصًا ليس عنده منهج، وتجد شخصًا يقول:"لا نريد أن يكون عندنا منهج"، وأنا سمعت بأذني شخص يقول:"لا نريد أن يكون عندنا منهج لأن المنهج يُخرِّب الناس، ونحن نريد أن نحكم كل الناس فالمنهج يقيّدنا"؛ فليس هناك منهج أصلًا، ولا فلسفة للمواجهة، وليس هناك أي تصوُّر، فيأخذ البيعة على مجهول. فهذا خطأ المُبايَعة.
والآن تجد كل الشباب مستعدُّون أن يُبايعوا سواء فهموا أو لم يفهموا، ولكنه أيضًا مستعد أن ينقض وينكث بيعته، هوَ لا يسمع ولا يطيع مع أنه بايع ومدّ يده وأقسم، وتجده يُقسم ويقول لك:"أبايعك على السمع والطاعة في المنشط والمكره والأثرة .."ثم عندما تكلّفه بتكليف لا يلتزم ولا يحترم كلمته، يعني أقل مستويات الرجولة غير موجودة عند معظم الذي يبايعون.
فهناك ناس تنقض البيعة ولا تسمع لأن الذي بايعه خرج عن المنهج، وهذا معه حق. ولكن أحيانًا لا يخرج الذي بايعته عن الطريق ومع ذلك تجده إذا كُلّف بمهمة تعجبه استجاب وإذا كلَّفته بمهمّة لا تعجبه لا يلتزم.