الأرض ومن عليها من أجل اثني عشر شخصًا صالحين عجزوا عن مقاومة الباطل، فأغرق الله الأرض من أجلهم وبدأت صفحة جديدة في الأرض"."
ثم بعد ذلك أبناء نوح -عليه السلام- كان منهم الصالح والطالح إلى أن جاءت نبوَّات كثيرة؛ من المعروف لنا منها نبوة سيدنا إبراهيم ثم تلاه الأنبياء، فكل سلسلة صراع الأنبياء مع أقوامه هي من جنس صراع قابيل وهابيل: {لأقتلنّك} ، فالآخر قال: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} .
فلا يمكن لأي منطقة فيها الحق والباطل أن يجتمع الاثنان مع بعض، ومن هنا تسقط نظرية إيجاد حل وسط بين الحق والباطل؛ لا يوجد حل وسط بين الحق والباطل، لا يوجد مطالبات جزئيّة، فالباطل عندما يضعف يُقدّم لك شيئًا من التنازلات فيُعطيك بعض المطالب والاصلاحات ويُخرج لك السجناء ويعطيك تعويضات ويعطيك وظائف، ثم عندما ترجع له القوة فحتى هذه الاصلاحات لا يرضى أن يتركها لك فيتراجع عنها.
فليس هناك إلا حل جذري؛ إما الحق وإما الباطل، فإذا قوي الظلم يقتل أهل الحق، وإذا قوي أهل الحق يجب أن يهزموا أهل الباطل ويقطعوا دابره تمامًا؛ كما قال نوح -عليه السلام-: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [1] ، فنحن يجب أن نسعى أن لا يكون من الكافرين على الأرض ديَّارًا، وهم نفس الشيء يسعون.
فالآن الصراع وصل إلى مرحل تُسمّى (استئصاليّة) ؛ أهل الكفار لا يريدون الإسلام ويريدون أن يستأصلوا أهله، حتى ما يسمّونه (الإسلام المعتدل) الآن محظور، فلا يسمحون به في تركيا ولا يسمحون به في الجزائر، فهو إنسان منحرف وليس على الصراط ولكن لاسم الإسلام عنده يريدون أن يستأصلوه ولا يتركوه.
فعندما تنظر في سيرة الأنبياء تفهم أن هذه هي فلسفة الصراع بين الحق والباطل؛ من صراع نوح -عليه السلام- مع قومه إلى صراع الرسول -عليه الصلاة والسلام- مع قريش إلى صراع موسى وفرعون، فهي سنن موجودة في القرآن، وهي نفس طبيعة صراعنا في الوقت الحاضر.
فنحن يجب أن نفهم ابتداءً فلسفة هذا الصراع؛ نحن لا نصارع معهم على أساس أن نحكم نحن أو هم، أو نأخذ نحن الاقتصاد أم هم، أو الأرض لنا أو لهم، هذه كلّها تَبَعٌ في الصراع، أمّا أساس الصراع فهي أنّ هوية الحق وهوية الباطل لا تجتمع في مكان واحد، من طرفنا ومن طرفهم، وسنفصّل -إن شاء الله- في البحث بعد هذه المقدمة.
أبناء آدم -عليه السلام- كثروا وانتشروا، وكذلك أبناء سيدنا نوح -عليه السلام- بعد أن غرقت الأرض،
(1) سورة نوح، الآية: 26.