فحسب الروايات القديمة أنهم كانوا ثلاثة سام وحام ويافث، ثم عندما نزلوا من السفينة تكاثروا ونشأت منهم التجمعات البشرية البدائية.
المؤرِّخون الملحدون يقولون أن الإنسان لم يكن يعرف شيئًا ثم تطور، وطبعًا هناك نظريات مُشوَّهة كنظرية (دارون) وغيرها تقول أنّ الإنسان نشأ نشأة شبه حيوانية، وهذا الكلام كله ليس صحيحًا.
بدأت البداية أصلًا بحضارات معروفة؛ فالناس زرعوا وصنعوا وخبزوا وأكلوا، وبدأوا بحضارات بسيطة، فنشأت حضارات زراعية في المناطق التي يمكن أن يُزرع فيها، ونشأت حضارات قائمة على الصيد في الأماكن الغنية بالحيوانات، ثم نتيجة حاجة الإنسان حصل شيء من التطوير في المادة الزراعية وغيرها، فنشأ شيء من الصناعة البدائية، فبدأت نواة الحياة البشرية تتكون، فبدأت تنشأ قبائل.
فأول نشوء الحضارة هو القبائل، فكان لكل قبيلة زعيم، ونشأ إلى جانب الزعيم كاهن أو ساحر، فحاول الناس عندما انحرفوا أن يكون هناك بجانب الزعيم زعيم روحي أو ساحر أو كاهن، ومنذ تلك النقطة نشأت تشكيلة بشرية لا تزال تصاحبنا إلى الآن؛ أنه لحُكم التجمع البشري كان هناك زعيم قبيلة وإلى جانبه ساحر أو كاهن أو رجل دين يُطوِّع له الناس، فهذا يتولّى الحكم، وهذا يتولّى تطويع الناس له حتى يوافقونه.
فلمّا تطورت الحضارة صارت هناك ممالك، فصار هناك ملك وإلى جانبه كاهن، ولما نشأ الفرعون مثلًا كان إلى جانبه الساحر، ولمّا تطورت الحضارة قليلًا نشأ القيصر الرومي فكان إلى جانبه رجل الدين النصراني (البابا) ، فكانت هناك دائمًا سلطة دينية تريد أن تستحوذ على عقول الناس وتطوّعهم للقائد السياسي وتزوّر لهم الأديان وتزوّر لهم المعتقدات حتى يستطع الزعيم أن يحكم. ونشأت هناك علاقة خبيثة بين رجال الملك ورجال الدين، وهذا نشأ مع الطبيعة البشريّة منذ البداية.
ولما تقرأ قصة فرعون والسحرة تجدها تلخّص كلّ القضيّة، فلمّا جاء موسى إلى فرعون: {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ * فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} [1] .
فكان دور السحرة أن يُثبِتُوا أنَّ فرعون على حق وموسى على باطل، ودافعهم في هذا كما قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ} [2] ، فهذا هو سببهم لهذا الفعل، ولم يكونوا يفعلونه لوجه الله ولا لوجه آلهتهم الباطلة، {قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [3] .
فهذه السنن التي كانت عند النصارى انتقلت إلينا كما قال - صلى الله عليه وسلم: (لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبرا شبرا
(1) سورة الشعراء، الآيات: 36 - 40.
(2) سورة الشعراء، الآية: 41.
(3) سورة الشعراء، الآية: 42.