حدود البلد، فتجد تنظيم الطليعة سوريًا، وتنظيم الجهاد مصريًا، وتنظيم الجماعة الإسلامية مصريًا، وتنظيم جيش عدن يمنيًا؛ وهكذا.
وهذا كان ممكنًا في النظام العالمي القديم، أما الآن في المواجهة الدوليّة فغير ممكن، فأنت إذا قُمت في عدن فستواجه المخابرات الأمريكية والمصريّة والجزائريّة، فهذا النظام القُطري أصبح من الأسباب المدمِّرة فضلًا أنه يخالف الدين؛ {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [1] ، فالمفروض علينا أن نواجه بصورة أمميّة. وكما شرحتُ لكم في التاريخ؛ عندما جاءت الحملات الصليبية كنّا أمة واحدة، فأول شيء فعلوه أن قسّمونا، فعندما نأتي لنواجههم فعلى الأقل نواجههم كأمّة واحدة، ولا نواجههم في كل قطاع به فقط.
وأنا عاصرت وعايشت كثيرًا من الحركات الجهادية، وأعرف معظم قياداتها، واحتككتُ عبر الجهاد بأفغانستان بكثير من الجماعات الجهادية؛ كلّها تعاني ليس من مرض التصوّر القطري فحسب بل تعاني من مرض التصوّر الفئوي؛ ففي اليمن مشكلة بين الشمال والجنوب، وفي سوريا مشكلة بين جناح حلب وجناح دمشق، في مصر وجه بحري ووجه قبلي، في ليبيا شرق وغرب. فليتنا بقينا على التصور القطري، بل صار هناك تصور جِهَويّ داخل القُطر الواحد، فهذا من أخطاء أساليب المواجهة.
فتأتي إلى حماس فيقولوا لك:"نحن نواجه الاحتلال الصهيوني ونحن والحكومات العربية في خندق واحد"، وأخيرًا الناطق الرسمي باسم حماس قال:"ندين عمليّة الخُبَر ضد الأمريكان ونعتبرها عملية إرهابية إجراميّة وسنساعد في الكشف عن الجُناة"، فهو حصر نفسه في الصراع مع إسرائيل. في لبنان قام تنظيم صغير يريد أن يُقيم دولة إسلاميّة في لبنان، فهذا مشروع ميِّت أصلًا من المبدأ، فهذا أحد أساليب الفشل والانحصار.
فليس هناك معطيات للمواجهة؛ في تونس أرض سهلية وسكان محدودون، ونظام أمني قوي، وليس هناك أن مفر تلجأ إليه، فكيف ستعمل عملًا في تونس؟! وبجوارها الجزائر مليئة بالجبال، وفي ليبيا المعطيات ضيّقة جدًا.
فهناك دول فيها معطيات أكثر من غيرها، مثلًا المغرب، الجزائر، اليمن حيث فيها جبال وشعب وموارد، أفغانستان فيه أرض وشعب، وهناك بلاد ليس فيها معطيات ولا إمكانيات؛ مثلًا مصر رغم أنّ الحركة الإسلامية فيها عريقة وقويّة والحركة الجهاديّة فيها عريقة وقويّة؛ ولكن طبيعة الشعب مع طبيعة الأرض مع طبيعة الموارد لم تترك فرصة للنجاح، في حين أن هناك كوادر في الجماعة الإسلامية لو وُضعت في أرض أخرى ودخلنا في عملية مواجهة مفتوحة شاملة كاملة لكانت مؤثرة جدًا، فهي سند للأمة.
وكذلك (الجماعة المقاتلة) تنظيم عظيم وقوي وعنده فكر وهو من أحسن التنظيمات التي قامت؛ معطياته في الخارج أفضل بكثير من ليبيا، وليست المشكلة في التنظيم ولكن في ليبيا نفسها معطيات النجاح فيها ضيّقة جدًا، فلماذا أحصر نفسي في بلد المواجهة فيه محسومة هكذا؟
(1) سورة المؤمنين، الآية: 52.