فهرس الكتاب

الصفحة 1023 من 1363

من أخطر أنواع السحر التي يُكفر فاعلها ما يعرف بالحل والعقد، أوالصرف والعطف، والصرف هو أن يُصرَف الرجلُ والمرأةُ عن محبة الآخر، والعطف هو أن يُجعل أحدُهما يميل ويعطف على الآخر بوسائل شيطانية محرمة.

وقد نص الله سبحانه وتعالى على ذلك على لسان الملكين اللذين أنزلهما لتعليم السحر، تعليم تحذير وتخويف، بدليل قولهما:"إنما نحن فتنة فلا تكفر"، فقال:"ويتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه".

هل يجوز لمن عُقد أن يذهب به إلى ساحر ليحله ؟ أو ينشر عنه ؟

ذهب أهل العلم في ذلك مذهبين، منهم من أجاز للمعقود إن لم يجد من يحله أن يذهب لساحر يحله، لأن الضرورات تبيح المحظورات، ومنهم من منع من ذلك البتة.

وممن أجاز ذلك سعيد بن المسيب، ومنع منه الحسن البصري رحمهما الله.

ترجم البخاري رحمه الله في صحيحه تحت باب"هل يستخرج السحر؟": (وقال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: رجل به طِبٌّ ـ أو يؤخذ عن امرأته ـ أيحل عنه أو يُنشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه) .

قال الحافظ ابن حجر معلقًا على ترجمة البخاري السابقة:(كذا أورد الترجمة بالاستفهام إشارة إلى الاختلاف، وصدَّر بما نقله عن سعيد بن المسيب من الجواز إشارة إلى ترجيحه.

وقال الحافظ عن أثر سعيد: وصله أبو بكر الأثرم في"كتاب السنن"من طريق أبان العطار عن قتادة، ومثله من طريق هشام الدستوائي عن قتادة بلفظ"يلتمس من يداويه"، فقال: إنما نهى الله عما يضر، ولم ينه عما ينفع"، وأخرجه الطبري في"التهذيب"من طريق يزيد بن زريع عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يرى بأسًا إذا كان بالرجل سحر أن يمشي إلى من يطلق عنه، فقال: هو صلاح، قال قتادة: وكان الحسن يكره ذلك، يقول لا يعلم ذلك إلا ساحر، قال: فقال سعيد بن المسيب: إنما نهى الله عما يضر ولم ينه عما ينفع. وقد أخرج أبو داود في"المراسيل"عن الحسن رفعه:"النُّشْرَة من عمل الشيطان"، ووصله أحمد وأبو داود بسند حسن عن جابر. قال ابن الجوزي: النُّشْرَة حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر . وسئل أحمد عمن يطلق المسحور، فقال: لا بأس به. وهذا هو المعتمد، ويجاب عن الحديث والأثر بأن قوله:"النُّشْرَة من عمل الشيطان"، إشارة إلى أصلها، ويختلف الحكم بالقصد ، فمن قصد بها خيرًا كان خيرًا، وإلا فهو شر، ثم الحصر المنقول عن الحسن ليس على ظاهره لأنه قد ينحل بالرقى والأدعية والتعاويذ، ولكن يحتمل أن تكون النشرة نوعين)."

نوعا النُّشرة

النُّشْرة، وهي حل المسحور، نوعان:

1.نُشْرة محرمة، وهي التي تكون برقي وعزائم شركية.

2.نُشْرة جائزة، وهي التي تكون بالتعوذات والأدعية المباحة، وعليه تتنزل الأحاديث والآثار السابقة، ويمكن التوفيق بينها.

علاج المسحور

يكون بإحدى طريقتين هما:

أولًا: باستخراج السحر وإبطاله

وهذا يكون بالآتي:

1.الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل، فإن الله قادر على أن يبطل عمل المفسدين، كما حدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سحره اليهودي المنافق لبيد بن الأعصم، قالت عائشة رضي الله عنها:"سُحر النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا الله ودعاه، ثم قال: أشعرتِ يا عائشة أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ قلت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب. قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي من بني زريق. قال: في ماذا؟ قال: في مُشْطٍ ومشاطةٍ وجف طلعة ذكر. قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان. قال: فذهب النبي صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه إلى البئر فنظر إليها وعليها نخل، ثم رجع إلى عائشة، فقال: والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين. قلت: يا رسول الله، أفأخرجته؟ قال: لا، أما أنا فقد عافاني الله وشفاني، وخشيت أن أثَوِّر على الناس منه شرًا. وأمر بها ودفنت".

قال العلامة ابن القيم رحمه الله تحت عنوان:

أنفع علاجات السحر

(ومن أنفع علاجات السحر: الأدوية الإلهية، بل هي أدويته النافعة بالذات، فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السِّفلية، ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها، وكلما كانت أقوى وأشد كانت أبلغ في النشرة، وذلك بمنزلة التقاء جيشين، مع كل واحد منهما عدته وسلاحه، فأيهما غلب الآخر قهره وكان الحكم له ، فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله مغمورًا بذكره، وله من التوجهات والدعوات، والأذكار، والتعوذات، ورد لا يخل به يطابق فيه قلبه لسانه، كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له، ومن أعظم العلاجات له ما يصيبه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت