فهرس الكتاب
وقال منكرًا ورادًا على منكري حادثة سحره صلى الله عليه وسلم:(قد أنكر هذا طائفة من الناس، وقالوا: لا يجوز هذا عليه، وظنوه نقصًا وعيبًا، وليس الأمر كما زعموا، بل هو من جنس ما كان يعتريه صلى الله عليه وسلم من الأسقام والأوجاع، وهو مرض من الأمراض، وإصابته به كإصابته بالسم، ولا فرق بينهما، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"سُحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إن كان ليخيل إليه أنه يأتي نساءه ولم يأتهن"وذلك أشد ما يكون من السحر.
قال القاضي عياض: السحر مرض من الأمراض، وعارض من العلل، يجوز عليه صلى الله عليه وسلم كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته، وأما كونه يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من صدقه، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز طرؤه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث لسببها، ولا فضِّل من أجلها، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أنه يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له) .
2.الذهاب إلى ساحر لاستخراج ما به من سحر، وهذا يكون بالنُّشْرة المحرمة، ومن أهل العلم من أباح ذلك، ومنهم من منع منه للآثار السابقة، ولهذا أباح بعض أهل العلم تعلم السحر لفك المسحورين، وليحولوا بين المسحورين وبين السحرة، ولا شك أن من كانت نيته الإصلاح وأنس من نفسه الكفاءة جاز له ذلك.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأحد أمرين، إما لتمييز ما فيه كفر من غيره، وإما لإزالته عمن وقع فيه، فأما الأول فلا محذور فيه إلا من جهة الاعتقاد، فإذا سلم الاعتقاد فمعرفة الشيء بمجرده لا تستلزم منعًا، كمن يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان للأوثان، لأن كيفية ما يعمله الساحر إنما هي حكاية قول وفعل، بخلاف تعاطيه والعمل به، وأما الثاني فإن كان لا يتم كما زعم بعضهم إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق فلا يحل أصلًا، وإلا جاز للمعنى المذكور) .
قال ابن القيم رحمه الله: (النُّشْرة حل السحر عن المسحور، وهو نوعان: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان ـ وعليه يحمل قول الحسن ـ فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور، وقد أباح سعيد بن المسيب وغيره من أهل العلم ذهاب من اضطر ولم يجد من يحله إلى هؤلاء السحرة، والله أعلم.
3.النشرة المباحة: وتكون كما قال ابن القيم بالرقى، والتعوذات، والدعوات، وأدوية مباحة، وهي جائزة بل تستحب لمن استطاع أن ينفع أخاه المسلم.
نماذج للنشرة المباحة
من أمثل النشرة المباحة ما يأتي:
أ. روى ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ليث بن أبي سليم قال: بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله تعالى، تقرأ في إناء فيه ماء، ثم يصب على رأس المسحور:
ب. وقال ابن بطال في كتاب وهب بن منبه: (أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر، فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ فيه آية الكرسي والقواقل، ثم يحسو منه ثلاث حسوات ثم يغتسل به، يذهب عنه كل ما به، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله) .
ثانيًا: عن طريق الحجامة واستفراغ الدم من مكان الألم
قال ابن القيم رحمه الله:(الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر، فإن للسحر تأثيرًا في الطبيعة وهيجان أخلاطها، وتشويش مزاجها، فإذا ظهر أثره في عضو، وأمكن استفراغ المادة الرديئة من ذلك العضو نفع جدًا.
وقد ذكر أبو عبيد في"غريب الحديث"له ـ بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى:"أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم على رأسه بقرن حين طبَّ"، قال أبو عبيد: معنى"طب"أي سُحِرَ.
إلى أن قال: وقد أشكل هذا على من قلَّ علمه، وقال: ما للحجامة والسحر؟ وما الرابطة بين هذا الداء وهذا الدواء؟ ولو وجد هذا القائل أبقراط أو ابن سينا أوغيرهما قد نص على هذا العلاج لتلقاه بالقبول والتسليم، وقال: قد نص عليه من لا نشك في معرفته وفضله.
فاعلم أن مادة السحر الذي أصيب به النبي صلى الله عليه وسلم انتهت إلى رأسه، إلى إحدى قواه التي فيه، بحيث كان يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء ولم يفعله، وهذا تصرف من الساحر في الطبيعة والمادة الدموية، بحيث غلبت تلك المادة على البطن المقدم منه، فغيرت مزاجه عن طبيعته الأصلية، والسحر مركب من تأثيرات الأرواح الخبيثة، وانفعال القوى الطبيعية عنها، وهو سحر التمريحات، وهو أشد ما يكون من السحر، واستعمال الحجامة في ذلك المكان ـ الذي تضررت أفعاله بالسحر ـ من أنفع المعالجة، إذا استعملت على القانون الذي ينبغي) .
من أنواع السحر
أنواع السحر كثيرة جدًا وما قارب الشيء فله حكمه، مثل:
1.الكهانة.