فهرس الكتاب

الصفحة 1027 من 1363

نماذج لمناصحة العلماء لمن كانوا يداخلون من الحكام

عطاء بن أبي رباح رحمه الله ينصح عبد الملك بن مروان رحمه الله

ابن أبي ذئب ينصح المهدي وأبا جعفر المنصور رحمهم الله

عمر بن حزم ينصح معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنه

الحسن البصري

حيوية بن شريح رحمه الله

مالك بن أنس رحمه الله ، يُنصح في دخوله على الحكام ، ويناصح الحكام

والخلاصة

الحمد لله مبتدئ النعم، بارئ النسم، ناشر الرِّقم، رازق الخلق من عدم، علم الإنسان ما لم يعلم، وصلى الله وسلم وبارك على أعلم الخلق أجمعين، المبعوث رحمة للعالمين، وكيدًا للكافرين والمنافقين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد..

فإن السؤدد الحق، والإكرام الجد ، والفضل الممتد، هو ما كان سببه الدين والعلم والتقوى:"إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، فالأتقياء من العلماء والصلحاء هم الكرماء في الدنيا والآخرة، والفجار الجهلاء من الأغنياء والفقراء هم الأذلاء.

حج معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما في بعض حجاته، فابتنى بالأبطح مجلسًا، فجلس عليه، معه زوجته ابنة قرظة بن عبد عمرو بن نوفل، فإذا هو بجماعة على رحال لهم، وإذا شاب قد رفع عقيرته يغني:

وأنا الأخضر من يعرفني أخضر الجلدة من بيت العرب

من يساجلني يساجل ماجدًا يملأ الدلو على عقد الكرب

فقال معاوية: من هذا؟ فقالوا: فلان بن جعفر بن أبي طالب. قال: خلوا له الطريق فليذهب. ثم إذا هو بجماعة فيهم غلام يغني:

بينما يذكرنني أبصرنني عند قيد الميل يسعى بين الأغر

قلن: تعرفن الفتى ؟ قلن: نعم قد عرفناه، وهل يخفى القمر؟

قال: من هذا؟ قالوا: عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة. قال: خلوا له الطريق فليذهب. ثم إذا هو بجماعة حول رجل يسألونه، فبعضهم يقول: رميت قبل أن أحلق، وبعضهم يقول: حلقت قبل أن أرمي، يسألونه عن أشياء أشكلت عليهم من مناسك الحج. فقال: من هذا؟ قالوا: عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ فالتفت إلى زوجته ابنة قرظة، فقال: هذا وأبيك الشرف، هذا والله شرف الدنيا والآخرة).

وقال ابن عبد البر: (قال الحجاج لخالد بن صفوان: من سيد أهل البصرة؟ قال له: الحسن. فقال: وكيف ذلك وهو مولى؟ فقال: احتاج الناس إليه في دينهم واستغنى عنهم في دنياهم، وما رأيت أحدًا من أشراف أهل البصرة إلا يروم الوصول في حلقته ليستمع قوله ، ويكتب علمه. فقال الحجاج: هذا والله السؤدد) .

خير القرون الذين كان علماؤهم حكامهم، ويليهم في الفضل من كان مستشارى، ووزراء، وجلساء حكامهم، علماؤهم، وشر القرون الذين يكون حكامهم"فرعونية"، ومستشاروهم"هامانية"، وجلساؤهم"قارونية".

لهذا فقد جاء في الأثر:"صنفان من الأمة إذا صلحا صلح الناس: الأمراء والفقهاء"، وفي رواية:"صنفان من الأمة إذا صلحا صلحت الأمة، وإذا فسدا فسدت الأمة: السلطان والعلماء".

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا أراد الله بالأمير خيرًا، جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه".

لهذا كان القراء، أي العلماء، وزراء ومستشاري وجلساء عمر رضي الله عنه، كهولًا كانوا أوشبابًا، وكان مستشارو عمر بن عبد العزيز رجاء بن حيوة، ومحمد بن شهاب الزهري، وسالم بن عبد الله بن عمر، والقاسم بن محمد، رحم الله الجميع.

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم

لقد فضل الله العلماء وشرفهم ورفعهم مكانًا عليًا، ويدل على هذا الفضل وذلك التشريف أنه قرن شهادتهم على وحدانيته بشهادته وشهادة ملائكته، فقال:"شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم"، وقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم:"وقل رب زدني علما"؛ وجعل صلى الله عليه وسلم العلماء هم ورثة الأنبياء فقال:"العلماء ورثة الأنبياء"، وفي رواية:"العلماء ورثة الأنبياء، يحبهم أهل السماء، ويستغفر لهم الحيتان في البحر إذا ماتوا إلى يوم القيامة"، لأن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر؛ وكان أبو هريرة إذا أراد أن يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"هلموا إلى ميراث نبيكم"، أوكما قال رضي الله عنه.

فعلى العلماء أن يكرموا هذا العلم، وأن يصينوه، ويحفظوه عن الرذائل والصغائر، وعليهم ألا يدنسوه بحب الجاه والمال، ولا بكثرة الجدل والمراء والخصومات، فكل ذلك حظوظ دنيوية، وأهواء شيطانية، فعزة العلم بعزة أهله وحامليه؛ ولله در القاضي الجرجاني، حيث قال:

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما

ولكن أذلوه جهارًا ودنسوا محياه بالأطماع حتى تجهما

العلماء كثير والحكماء قليل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت