فهرس الكتاب

الصفحة 1032 من 1363

قال له العمري ولابن أبي ذئب: أنتم علماء تميلون إلى الدنيا، وتلبسون اللين، وتدّعون التقشف. فكتب إليه مالك: إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة، ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد؛ فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير.

أما يحيى بن يزيد النوفلي فقد كتب لمالك: أما بعد فقد بلغني أنك تلبس الرقاق، وتأكل الرقاق، وتجلس على الوطاء، وتجعل على بابك حجابًا، وقد جلست مجلس العلم، وضربت إليك آباط المطي، وارتحل إليك الناس، فاتخذوك إمامًا، ورضوا بقولك، فاتق الله يا مالك، وعليك بالتواضع، كتبت إليك بالنصيحة مني كتابًا، ما اطلع عليه إلا الله، والسلام.

فكتب إليه مالك بن أنس: بسم الله الرحمن الرحيم، من مالك بن أنس إلى يحيى بن يزيد، سلام عليك؛ أما بعد فقد وصل إليّ كتابك، فوقع مني موقع النصيحة من المشفق، أمتعك الله بالتقوى، وجزاك وخولك بالنصيحة خيرًا، وأسأل الله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأما ما ذكرت من أني آكل الرقاق، وألبس الرقاق، وأجلس على الوطاء، فنحن نفعل ذلك ونستغفر الله تعالى، وقد قال سبحانه:"قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق"، وإني لأعلم أن ترك ذلك خير من الدخول فيه، فلا تدعنا من كتابك، فإنا ليس ندعك من كتابنا والسلام.

¨ قيل لمالك في دخوله على السلطان فقال: ولكن أين المناصحة؟

قلت: كان دخول مالك على السلطان دخول عز وإجلال ومناصحة وإرشاد، وليس لتزلف ولا لدنيا وإليك الأدلة.

¨ روى الذهبي رحمه الله عن مالك أنه قال: والله ما دخلت على ملك من هؤلاء الملوك حتى أصل إليه، إلا نزع الله هيبته من صدري.

¨ سأل هارون الرشيد مالكًا، وهو في منزله ومعه بنوه، أن يقرأ عليهم، قال: ما قرأت على أحد منذ زمان، وإنما يقرأ عليّ. فقال: أخرج الناس حتى أقرأ أنا عليك. فقال: إذا منع العام لبعض الخاص لم ينتفع الخاص. وأمر معن بن عيسى فقرأ عليه.

¨ قدم المهدي المدينة فبعث إلى مالك، فأتاه، فقال لهارون وموسى: اسمعا منه. فبعثا إليه فلم يجبهما، فأعلما المهدي، فكلمه، فقال: يا أمير المؤمنين العلم يؤتى أهلُه. فقال: صدق مالك، صيرا إليه. فقال له مؤدبهما: اقرأ علينا. فقال: إن أهل المدينة يقرأون على العالم، كما يقرأ الصبيان على المعلم، فإذا أخطأوا أفتاهم.

هذه النماذج القليلة من المناصحة الغالية، والتذكرة المفيدة ، تبين أهمية دخول العلماء الأخيار على الحكام الفضلاء، إذا توفرت الشروط السابقة، أما الحكام الظلمة فلا يجوز الدخول عليهم إلا من آنس في نفسه الكفاءة في نصحهم، وأمرهم، ونهيهم، وردهم عن غيهم.

قال ابن الجوزي رحمه الله: (اعلم أن لك مع الأمراء والعمال الظلمة أربعة أحوال، ملخصها:

الحال الأول: أن يدخل عليهم وهي شرها.

الحال الثاني: أن يدخل ليرفع ظلمًا عن مسلم، فيجوز بشرط أن لا يكذب، ولا يثني، ولا يدع نصيحة يتوقع لها قبولًا.

الحال الثالث: أن يدخل عليه السلطان زائرًا، فجواب السلام لابد منه، أما القيام والإكرام فلا يحرم مقابلة له على إكرامه، فإنه بلزام العلم والدين مستحق للحمد، كما أنه بالظلم مستحق للذم.

الحال الرابع: أن يعتزل عنهم فلا يراهم ولا يرونه والسلامة في ذلك.

ثم ينبغي أن يعتقد بغضهم على ظلمهم، فلا يحب لقائهم، ولا يثني عليهم، ولا يستخبر عن أحوالهم، ولا يقترب إلى المتصلين بهم.

أما الجوائز، فكان المجانبون للدخول على السلطان لا يأخذونها لأنفسهم، ولا يرضون أن تعطى لأبنائهم وأقربائهم وتلاميذهم، كما كان يفعل أحمد، فقد لام أولاده وعمه على قبول جوائز المتوكل عندما تمنّع هو من قبولها وقبلها هؤلاء.

وكان أحمد رحمه الله يتأبى أن يتولى مجرد تقسيمها على الفقراء والأرامل، وقد فعل ذلك مرة واحدة، حتى تبرع بالكيس التي كانت فيه، وأبى أن يعطي ابن ابنه صالح منها شيء.

ومن أهل العلم من كان يسألها ويأخذها إن أرسلت إليه، والراجح والله أعلم أن من أعطيها من غير سؤال، ولا على حساب دين، فقبلها، فلا حرج عليه كما جاء في الحديث ـ إذا علم أنها أخذت من حلها ولم تغتصب من أحد، والسلامة في تركها، والله أعلم.

والخلاصة

قد تبين لنا مما سبق أن من دخل من أهل العلم على الحكام والفضلاء فقد دخل على بينة وهدى، ومن أبى فقد أخذ بالأحوط، وسلك سبيل السلامة، وقفل بابًا عظيمًا من أبواب الفتن والتشوف إلى الدنيا والانزلاق؛ والله نسأل أن يجزي الجميع خيرًا، الذين امتنعوا والذين دخلوا، حيث أرسى الجميع قواعد ثابتة للدخول وعدمه، ونسأل الله أن يوفق علماء الأمة الحاضرين على السير على خطا السلف الصالحين، والاقتداء بهم في الدخول وعدمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت