فهرس الكتاب

الصفحة 1039 من 1363

هذا على الرغم من أنه لم يصح عنه صلى الله عليه وسلم حديث ينهى عن البول قائمًا، وإنما مستند المانعين من البول قائمًا فعله، كما قالت عائشة رضي الله عنها، وعادته، وكراهية بعض الصحابة لذلك.

فقد روى أهل السنن؛ أحمد بن حنبل، والترمذي، والنسائي، وغيرهم عن عائشة رضي الله عنها بإسناد جيد أنها قالت:"من حدثكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا".

وكذلك روى البيهقي في سننه الكبرى عن عبد الرحمن بن حَسَنة قال:"كنت أنا وعمرو بن العاص جالسين، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده درقة، فبال وهو جالس، فتكلمنا فيما بيننا، فقلنا: يبول كما تبول المرأة؟ فأتانا فقال: ما تدرون ما لقي صاحب بني إسرائيل؟ كان إذا أصابهم بول قرضوه، فنهاهم فتركوه، فعذب في قبره"، زاد ابن عيينة:"فاستتر بها - أي الدرقة - فبال وهو جالس".

أما بوله قائمًا في بعض الأحيان فقد رواه عنه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.

فقد خرج الشيخان وغيرهما عنه قال:"كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائمًا، فتنحيت، فقال: ادنه؛ فدنوت حتى قمت عند عقبيه، فتوضأ فمسح على خفيه".

وفي رواية للبخاري:"كان أبوموسى الأشعري يشدد في البول، ويقول: إن بني إسرائيل كان إن أصاب ثوب أحدهم قرضه؛ فقال حذيفة: ليته أمسك، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سباطة قوم فبال قائمًا"؛ وفي رواية أن حذيفة سمع أبا موسى ورأى رجلًا يبول قائمًا، فقال: ويحك أفلا قاعدًا؟ ثم ذكر قصة بني إسرائيل.

وخرج الشيخان واللفظ للبخاري عن أبي هريرة قال:"قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:"دعوه، وهريقوا على بوله سَجْلًا من ماء - أوذنوبًا من ماء - فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين"."

ومن مراسيل مالك:"دخل أعرابي المسجد فكشف عن فرجه ليبول، فصاح الناس به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتركوه؛ فتركوه فبال، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء، فصب على ذلك المكان".

وروى مالك عن عبد الله بن دينار أنه قال:"رأيت عبد الله بن عمر يبول قائمًا".

الأحاديث التي وردت في النهي عن البول قائمًا، وتُكُلِّم فيها

1.روى الترمذي مُعَلقًا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:"رآني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبول قائمًا، فقال:"يا عمر لا تبل قائمًا"، قال: فما بلت قائمًا بعد."

قال الترمذي: وإنما رفعه عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف عند أهل الحديث.

2.وروى البزار وغيره كما قال ابن القيم في الزاد من حديث عبد الله بن بُرَيدة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائمًا، أوأن يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أوينفخ في سجوده"؛ قال: ورواه الترمذي، وقال: هو غير محفوظ، وقال البزار: لا تعلم من رواه عن عبد الله بن بُرَيدة إلا سعيد بن عبيد الله، ولم يجرحه بشيء، وقال ابن أبي حاتم: هو بصري ثقة مشهور.

3.وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبول الرجل قائمًا".

تأويل وتعليل أهل العلم لبوله صلى الله عليه وسلم قائمًا

علل أهل العلم بول الرسول صلى الله عليه وسلم قائمًا بتأويلات وتعليلات كثيرة ، منها:

1.كانت العرب تستشفي من وجع الصلب بالبول قائمًا، فلعله فعله من أجل ذلك، وقد ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي.

2.فعل ذلك لعلة بمأبضه - باطن الركبة، وهو مروي عن البيهقي.

3.لم يجد مكانًا للقعود فاضطر للقيام.

4.البول قائمًا يؤمن معه خروج الريح بصوت.

5.البول قائمًا أحصن للدبر من الحدث، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

6.لبيان الجواز

7.منسوخ.

أرجح هذه التعليلات تعليلان، هما:

1.أنه فعله لعلة مرض أوغيره.

2.أوفعله لبيان الجواز.

أقوال أهل العلم في ذلك

قال النووي رحمه الله معلقًا على حديث حذيفة السابق:(فعله للجواز في هذه المرة، وكانت عادته المستمرة يبول قاعدًا، ويدل عليه حديث عائشة رضي الله عنها.

إلى أن قال: وقد روي في النهي عن البول قائمًا أحاديث لا تثبت، ولكن حديث عائشة هذا ثابت).

وقال ابن القيم رحمه الله: (وأكثر ما كان يبول وهو قاعد، حتى قالت عائشة:"من حدثكم أنه كان يبول قائمًا فلا تصدقوه.."، وقد روى مسلم في"صحيحه"من حديث حذيفة أنه بال قائمًا، فقيل: هذا بيان للجواز، وقيل: إنما فعله لوجع كان بمأبضيه، وقيل: فعله استشفاء.. والصحيح أنه إنما فعل ذلك تنزهًا وبعدًا من إصابة البول، فإنه إنما فعل هذا لما أتى سباطة قوم، وهي ملقى الكناسة، وتسمى المزبلة، وهي تكون مرتفعة، فلو بال فيها الرجل قاعدًا لارتد عليه بوله، وهو صلى الله عليه وسلم استتر بها وجعلها بينه وبين الحائط، فلم يكن بد من بوله قائمًا، والله أعلم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت