فهرس الكتاب
وقال معاوية رضي الله عنه: كل الناس أقدر على رضاه إلا حاسد نعمة لا يرضيه إلا زوالها.
ولهذا قيل:
كل العداوات قد ترجى أمانتها إلا عداوة من عاداك من حسد
وقال الحسن: يا ابن آدم لم تحسد أخاك؟ فإن كان الذي أعطاه لكرامته عليه فلم تحسد من أكرمه الله؟ وإن كان غير ذلك فلم تحسد من مصيره إلى النار؟
وقال بعض الحكماء: الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلًا، ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وغضبًا، ولا ينال من الخلق إلا جزعًا رغمًا، ولا ينال عند النزاع إلا شدةً وهولًا، ولا ينال عند الموقف إلا فضيحة ونكالًا.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لا تعادوا نعم الله عز وجل؛ قيل: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم من فضله.
قال ابن عبد البر: كان يقال: أقبح الأشياء بالسلطان اللجاج، وبالحكماء الضجر، و بالفقهاء سخافة الدين، وبالعلماء إفراط الحرص، وبالمقاتِلة الجبن، وبالأغنياء البخل، وبالبخلاء الكِبْر، وبالشباب الكسل، و بالشيوخ المزاح، وبجماعة الناس التباغض والحسد.
وقال بعض السلف: أول خطيئة هي الحسد، حسد إبليس آدم عليه السلام على رتبته فأبى أن يسجد له فحمله على الحسد والمعصية.
ودخل عون بن عبد الله يومًا على الفضل بن المهلب وكان أمير واسط فقال: إني أريد أن أعظك بشيء؛ فقال: وما هو؟ قال: إياك والكبر، فإنه أول ذنب عصي الله به، ثم قرأ:"وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس"؛ وإياك والحرص فإنه أخرج آدم من الجنة، أمكنه الله من جنة عرضها السموات والأرض يأكل منها إلا شجرة واحدة نهاه الله عنها، فأكل منها فأخرجه الله تعالى منها، ثم قرأ:"اهبطوا منها"إلى آخر الآية؛ وإياك والحسد فإنما قتل ابن آدم أخاه حين حسده، ثم قرأ:"واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق"الآيات، وإذا ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمسك، وإذا ذكر القدر فاسكت، وإذا ذكرت النجوم فاسكت.
وقال بكر بن عبد الله المزني التابعي: كان رجل يغشى بعض الملوك، فيقوم بحذاء الملك فيقول: أحسن إلى المحسن بإحسانه ، فإن المسيء سيكفيه إساءته. فحسده رجل على ذلك المقام والكلام، فسعى به إلى الملك فقال: إن هذا الذي يقوم بحذائك ويقول ما يقول زعم أن الملك أبخر. فقال له الملك: وكيف يصح ذلك عندي؟ قال: ندعوه إليك، فإنه إذا دنا منك وضع يده على أنفه لئلا يشم ريح البخر. فقال له: انصرف حتى أنظر. فخرج من عند الملك فدعا الرجل إلى منزله فأطعمه طعامًا فيه ثوم، فخرج الرجل من عنده وقام بحذاء الملك على عادته، فقال: أحسن إلى المحسن بإحسانه، فإن المسيء سيكفيه إساءته. فقال الملك: ادن مني. فدنا، فوضع يده على فيه مخافة أن يشم الملك منه رائحة الثوم. فقال الملك في نفسه: ما أرى فلانًا إلا صدق. قال: وكان الملك لا يكتب بخطه إلا بجائزة أوصلة، فكتب له كتابًا بخطه إلى عامل من عماله: إذا أتاك كتابي هذا فاذبحه واسلخه واحش جلده تبنًا وابعث به إلي. فأخذ الكتاب وخرج . فلقيه الرجل الذي سعى به ، فقال: ما هذا الكتاب؟ قال: خط الملك له بصلة. قال: هبه لي! فقال: هو لك. فأخذه ومضى به إلى العامل. فقال له العامل: في كتابك أن أذبحك وأسلخك. قال: إن الكتاب ليس هو لي، فالله الله في أمري حتى ترجع إلى الملك. فقال: ليس لكتاب الملك مراجعة. فذبحه وسلخه وحشا جلده تبنًا وبعث به. ثم عاد الرجل إلى الملك كعادته، وقال مثل قوله، فعجب الملك، وقال: ما فعل الكتاب ؟ فقال: لقيني فلان فاستوهبه مني فوهبته له . قال له الملك: إنه ذكر لي أنك تزعم أني أبخر. قال: ما قلت ذلك. قال: فلم وضعت يدك على فيك؟ قال: لأنه أطعمني طعامًا فيه ثوم فكرهت أن تشمه. قال: صدقت، ارجع إلى مكانك، فقد كفى المسيء إساءته.
إذا حسدت فلا تبغ
كما قلت من قبل: المصيبة ليست في مجرد الحسد، ولكن المصيبة كل المصيبة فيما يجره الحسد من البغي والعدوان الكراهية، إذ ما من أحد يسلم من ثلاث خصال، هي: الطيرة، والحسد، والظن، وقد أرشدنا إلى كيفية التخلص من ذلك، حيث روي عنه صلى الله عليه وسلم:"ثلاث لا ينجو منهن أحد: الظن والطيرة والحسد، وسأحدثكم ما المخرج من ذلك، إذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ"، وفي رواية:"ثلاث لا ينجو منهن أحد، وقلَّ من ينجو منهن"، وفي رواية:"إذا حسدتم فلا تبغوا، وإذا ظننتم فلا تحققوا، وإذا تطيرتم فامضوا، وعلى الله فتوكلوا".
وقال الحسن رحمه الله:"ليس أحد من خلق الله إلا وقد جعل معه الحسد، ومن لم يجاوز ذلك إلى البغي والظلم لم يتبعه شيء".
وقيل للحسن: يا أبا سعيد، أيحسد المؤمن؟ قال: لا أم لك! أنسيت إخوة يوسف؟ وفي رواية: قال رجل للحسن: هل يحسد المؤمن؟ قال: ما أنساك بني يعقوب؟ نعم، ولكن غمَّه في صدرك، فإنه لا يضرك ما لم تعد به يدًا ولا لسانًا"، أوكما قال."
إذًا العبرة ليست في مجرد الحسد، وإنما العبرة فيما يتبع ذلك.
أسباب الحسد