فهرس الكتاب
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل: ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) يوسف:108، وصلى الله على البشير النذير نبينا محمد وآله وصحبه ، وبعد: فإن الحديث عن الدُّعاة وعن العلماء، أصبح في ظروفنا المعاصرة أمرًا ضروريًا، خاصة حينما انتشر مفهوم خاطئ عند الناس في هذا العصر، وهو: مفهوم التفريق بين العالم والداعي، وبين العلم والدعوة، وبين الفقه في الدين والفقه في الدعوة، وما نتج عن هذا المفهوم من ظواهر خطيرة في الدين، وفي السلوك، وفي الأفكار، وفي المفاهيم، وفي التعامل والمواقف، والولاء والبراء. ومنشأ الموضوع في ذهني: أني رأيت كثيرًا من الدعاة، والحركات الإسلامية المعاصرة التي تتصدر الدعوة في العالم الإسلامي، قد نشأ عندها هذا الفصام، وهذا التفريق المبتدع بين الداعي إلى الله- سبحانه وتعالى- وبين العالم، أو بين المتصدي للدعوة إلى الله- أو المحترف للدعوة- وبين العالم والشيخ، أو بين العلماء وطلاب العلم، وبين الدعاة وأتباع الحركات الدعوية. ونظرًا لما لهذا الانفصام والخلل من عواقب وخيمة قد تؤدي إلى الافتراق المذموم، فلا بد من الحديث عن الأمر على وجه النصح لا على وجه التشهير، وسأركز الحديث في هذا الموضوع على بعض المسائل؛ لأن الموضوع متشعب وطويل، وهو ذو شجون. المسألة الأولى: في التعريفات المتعلقة بعنوان هذا الموضوع: (أصل هذا الموضوع محاضرة ألقيت بمسجد القدس-بحي الروابي بالرياض في جمادي الثانية سنة 1412هـ) . أ - مفهوم العلماء وسماتهم: المقصود بالعلماء: العالمون بشرع الله، والمتفقهون في الدين، والعاملون بعلمهم على هدى وبصيرة، على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسلف الأمة، الداعون إلى الله بالحكمة التي وهبهم الله إياها: ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرا) البقرة:269، والحكمة: العلم والفقه. وعلى هذا فالعلماء بهذا التعريف: هم الدعاة بداهة، والعلماء هم ورثة الأنبياء، والأنبياء هم الدعاة، فأجدر من يتصدر للدعوة بعد الأنبياء- وقد انقضت النبوة وانتهت-هم العلماء؛ وذلك: أولًا: لأنهم ورثتهم: فالأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، إنما ورثوا هذا العلم، والدعوة إنما تكون بالعلم، فأهل العلم هم الدعاة. ثانيًا: العلماء هم حجة الله في أرضه على الخلق، والحجة لا تقوم إلا على لسان داعية بفقهه وبعلمه وبقدوته، فعلى هذا، العلماء هم أجدر الناس بالدعوة. ثالثًا: العلماء هم أهل الحل والعقد في الأمة، وهم أولوا الأمر الذين تجب طاعتهم، كما قال غير واحد من السلف في تفسير قوله تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) النساء: 59، قال مجاهد: هم أولو الفقه والعلم ( أخرجه أبو خيثمة في العلم) وعزاه السيوطي في الدر المنشور إلى سعيد ابن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، بلفظ: (هم الفقهاء والعلماء) ، وله لفظ آخر: ( أصحاب محمد، أهل العلم والفقه والدين) عزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، واشتهر هذا التفسير عن غير واحد من السلف، قال ابن عباس: (أهل العلم) ، أخرجه ابن عدي في (كامله) ، وقال جابر بن عبد الله: (أولي الفقه وأهل الخير) ، أخرجه الحاكم وصححه، وقال أبو العالية: (هم أهل العلم) ، أخرجه ابن أبي شيبة وابن جرير، وزاد ابن كثير: عن عطاء والحسن البصري). وإذا كانوا هم أولي الأمر فولايتهم للدعوة من باب أولى. رابعًا: العلماء هم المؤتمنون على مصالح الأمة العظمى، على دينها وعلى دنياها وأمنها، ومن باب أولى أن يكونوا هم المؤتمنين على الدعوة وشؤونها. خامسًا: العلماء هم أهل الشورى الذين ترجع إليهم الأمة في جميع شؤونها ومصالحها، وإذا كانوا يستشارون في جميع مصالح الأمة- في دينها ودنياها- فمن باب أولى أن يكونوا هم أهل الشورى في الدعوة وقيادتها. سادسًا: العلماء هم أئمة الدين، والإمامة في الدين فضل عظيم، وشرف ومنزلة رفيعة، كما قال تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) السجدة: 24، والإمامة في الدين تقتضي بالضرورة الإمامة في الدعوة، وما الدين إلا بالدعوة، وما الدعوة إلا بالدين. سابعًا: العلماء هم أهل الذكر، والذكر بالعلم والدعوة، كما قال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) النحل: 43، الأنبياء: 7، فعلى هذا هم أهل الدعوة إلى الله تعالى. ثامنًا: العلماء أفضل الناس: كما قال تعالى: ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) المجادلة: 11، وأفضل الناس هو الداعي إلى الله. تاسعًا: العلماء هم أزكى الناس، وأخشاهم لله، كما قال تعالى: ( إنما يخشى الله من عباده العلماء) فاطر: 28، وإذا كانوا كذلك، فهم الأجدر أن يكونوا الدعاة على هذه الصفات، هم الأجدر أن يكونوا القادة والرواد في الدعوة. عاشرًا: العلماء هم الآمرون بالمعروف، الناهون عن المنكر