فهرس الكتاب
بالعلم والحكمة، إذا فالعلماء هم الدعاة. حادي عشر: العلماء هم شهداء الله الذين أشهدهم الله على توحيده وقرن شهادتهم بشهادته-سبحانه- وبشهادة ملائكته، وفي هذا تزكيتهم وتعديلهم، فقال تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم) آل عمران:18، ومن كانوا كذلك فهم المؤتمنون على الدعوة، وهم الأولى بقيادتها وريادتها. هذا على وجه العموم، فالعلماء هم أهل هذه الخصال، ولا يلزم أن تتوافر كل هذه الخصال في كل عالم، فالكمال لا يكون إلا لله- سبحانه، ولكنهم في الجملة أي العلماء لا شك أنهم المتميزون بهذه الصفات الجديرون بها. بطلان دعوى عدم وجود العلماء القدوة: العلماء لا يمكن أن تخلو الأرض منهم، وهذا دفع لدعوى قد يدعيها بعض الجهلة ممن ينتسبون للدعوات والحركات المعاصرة وغيرهم، فقد زعم بعضهم: أنه لا يوجد علماء قدوة، أو أن العلماء الذين يمكن الاقتداء بهم مفقودون، أو أنهم يتهمون بمطاعن تسقط اعتبارهم، أو نحو هذا من الدعاوى التي لا تجوز شرعًا، بل هي مخالفة للواقع، ومخالفة لصريح النصوص، فإن الله سبحانه وتعالى تكفل بحفظ هذا الدين، وتكفل بحفظ طائفة من الأمة تبقى ظاهرة منصورة، أمرها بين، وهذا لا يمكن أن يتأتي إلا بأهل الحجة والقدوة، وهم العلماء والصفات التي ذكرتها تتوافر في كل مكان، وكل وقت بحسبه قوة وضعفًا، لكن لا يمكن أن يخلو كل الزمان وكل المكان في الأرض من العلماء إلى قيام الساعة. وكل عاقل منصف سالم من الهوى يدرك أن في علمائنا ومشايخنا المعاصرين القدوة والكفاية بحمد الله. ب - مفهوم الدعاة: أما بالنسبة للدعاة: فقد عرفنا أن العلماء هم الدعاة، لكن تنزلا للمصطلحات والألفاظ، فإنا نقول: الدعاة: هم الداعون إلى الله على بصيرة. والبصيرة: هي اتباع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الفقه في الدين وأول من تتوافر فيه هذه الصفات لا شك أنهم العلماء، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أن يقول بأن سبيله: الدعوة إلى الله على بصيرة، ولا تأتي البصيرة إلا بالعلم والفقه في الدين، قال تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) يوسف:108، ولا شك أن أتباع الأنبياء بالأولى هم العلماء. ج - مفهوم الدعوة: هي السعي لنشر دين الله عقيدة وشريعة وأخلاقًا، وبذل الوسع في ذلك، ويتحقق هدف الدعوة إلى الله بالعلم والعمل والقدوة، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح، والاستقامة، والإخلاص، والتجرد، وهذه الأركان أكثر ما تتوافر في العلماء. إشكالات مفترضة وجوابها: وهنا لا بد من الاستدراك، قبل أن أفصل في بعض النقاط المهمة في المسائل الموالية، حيث قد يرد سؤال عند بعض الناس: أولًا: هل يعني هذا أنه لا يدعو إلى الله إلا عالم؟ والجواب: لا، بل على كل مسلم عرف شيئًا من الدين، وتبصر به، أن يدعو إليه بعد التبصر وفقه المسألة التي يدعو إليها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بلغوا عني ولو آية) (أخرجه البخاري في صحيحه-كتاب: الأنبياء، باب: ماذكرت عن بني إسرائيل، الفتح6/496) . إن قيادة الدعوة، وريادتها، وتوجيهها لا بد أن يكون من العلماء، وفي العلماء. اقصد: أن العلماء لا بد أن يتصدروا الدعوات في كل أمر ذي بال، ولا بد أن نجعلهم هم القادة، وهم المرجع، والموجهين في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ولا يكونوا مجرد مستشارين عند الحاجة كما يفعل كثير من (أصحاب الدعوات) . فالعلماء لا بد أن يكونوا هم المتصدرين للدعوة، وإن لم يكن الأمر كذلك، فإن في الأمر خللًا لا بد من استدراكه، وخطأ لا بد من تصحيحه، بل إن لم يكن الأمر كذلك فإن الدعوة ستنحرف، لا قدر الله، وتعصف بها الأهواء، لا سيما أن كلمة (داعية) صيغة مبالغة، وفيها تزكية شرعية أرى أنه لا يستحقها إلا عالم أو طالب علم متمكن من الفقه في دين الله، أما من يعمل في مجال الدعوة من سائر الناس فهو إما مرشد، أو واعظ، أو محتسب، أونحو ذلك. ثانيًا: ربما يقال: إن العلماء لم يرفعوا راية للدعوة؟ فأقول: هذا الإشكال لا يصح، لأنه ناتج عن قصور في النظر للعلماء. فالمنصف يجد أن العلماء، في الجملة، قاموا بما يسعهم من واجب التبليغ ونشر العلم والنصح للأمة والولاة والعامة، كل منهم بحسب ما يستطيع، وبحسب ما يرى من أساليب يتأدى بها الواجب، ويجب أن لا نتوقع منهم الإشادة بجهودهم أو الدعاية لأنفسهم، ذلك أن الأصل في أهل العلم: أنهم يُسعى إليهم لأخذ العلم عنهم، ولا يسعون إلى الناس، والأصل في أهل العلم: أن يكون لهم سمت أساسه التواضع، وأن يكون لهم حق على الأمة، كما أن الأصل في العلماء، أن لا يرفعوا فوق رؤوسهم رايات، ولا يرفعوا شعارات، ولا يطلبوا الانتماءات إليهم، ونحو ذلك مما هو من لوازم بعض الدعوات المعاصرة. فالعلماء: يقصدون، ويجب أن يلتف حولهم عامة الناس، وطلبة العلم بخاصة. ورفع الرايات والشعارات للدعوات من قبل من لهم شأن في الأمة، ليس من هدي السلف، فمن رفعه الله