فهرس الكتاب

الصفحة 1106 من 1363

بالعلم والتقوى وجب على الأمة أن ترفع قدره. وأقصد: أن إخضاع العلم للدعاية أو للشعارات أو الانتماءات لم يكن من خصال السلف، بل هو من خصال أهل الهوى والفرق، أما أهل السنة: فهديهم السنة والجماعة، وهي ليست شعارًا يرفع، إنما هي سبيل المؤمنين، وصراط الله المستقيم، وسنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. المسألة الثانية: الأصل في الكتاب والسنة وما اتفق عليه جمهور سلف الأمة وهديهم: الأصل في ذلك أن العلماء هم الدعاة، وأن الدعاة أصلا هم العلماء، وأن غيرهم تبع لهم، فكما أسلفت: كل طالب علم وكل مسلم عليه أن يدعو إلى الله بقدر وسعه، وعلى بصيرة في الأمر الذي يدعو إليه، وكل ذلك مشروط بالتبعية لأهل العلم؛ لأنهم هم قادة الأمة، وهم من أهل الحل والعقد فيها، وهم جماعتها. المسألة الثالثة: فيما يزعم من الفصل بين العلماء والدعاة: هذا الفصل بين العلماء- أي علماء الشرع: أهل الفقه في الدين- وبين الدعاة، أوبين العلم والدعوة- أي طلب العلم الشرعي والدعوة-، تركز-مع الأسف- في أذهان كثير من المسلمين في هذا العصر، لأسباب كثيرة، سأذكر شيئًا منها فيما بعد. بل إن هذا المفهوم الخاطئ لم يتركز في الأذهان فقط، بل صار له أثر في الواقع، أي فيما تعيشه الدعوات، وما يعيشه كثير من الدعاة في كثير من بلاد العالم الإسلامي. التفريق بين العلماء والدعاة من سمات أهل الأهواء: كما أسلفت، كان التفريق بين العلماء والدعاة من سمات أهل البدع، حيث إنهم اتخذوا رؤوسًا جهالًا، والداعية عندهم-أعني: أهل الأهواءوالبدع- هو من يخضع لأهوائهم، ويلتزم بها، ويقول بمقولاتهم وينشرها، وينتصر لها، ولو لم يفقه من الدين شيئًا. ونجد هذا جليًا في الفرق الأولى: كالخوارج؛ فإن دعاتهم ليسوا العلماء الأكابر، لا فيهم ولا من غيرهم، بل بضاعتهم في الفقه والعلم قليلة وعلى غير طريق سليمة، وكذلك الرافضة: دعاتهم جهالهم، بل أجهل الناس وأقلهم أحلامًا، وهكذا المعتزلة، والقدرية، وأهل الكلام، وسائر الفرق على هذه السمة-غالبًا- على تفاوت بينهم. فهؤلاء-أي أهل الافتراق-هم الذين يفصلون بين الدعوة والفقه في الدين؛ لأنهم أصلًا يقل فيهم الفقه في الدين، وأكثر زعمائهم ودعاتهم إنما يمتازون بالولاء لفرقتهم، وبالولاء للمقولات التي هم عليها، ولا يفقهون من الدين إلا القليل، ومنهم من لا يفقه شيئًا. وأغلب دعاة هذه الفرق والذين نشرواها في الأقاليم الإسلامية قديمًا من العوام ومن الجهلة، أو الذين لهم أهداف وأغراض شخصية أو شعوبية، أو عصبيات، ويسيطر عليهم الجهل المهلك. المسألة الرابعة: في أن الفصل بين العلماء والدعاة- مع الأسف- سمة ظاهرة: وقد بدأت تظهر في كثير من الدعوات المعاصرة، وكثير من الحركات الإسلامية، وهي في خارج هذه البلاد، لكن لا يسعنا إلا أن نتكلم عنها لأسباب: أولها: أننا لا بد أن نحمل هموم جميع المسلمين في كل بقاع الأرض، وهذا واجب شرعي على كل داعية، فعلى كل عالم أن يحمل همَّ المسلمين لا في إقليم واحد، بل في جميع بقاع الأرض، والأصل في المسلمين أنهم أمة واحدة، ومقتضي النصح والإشفاق عليهم، بيان ما فيهم من خير وتشجيعهم عليه، وبيان ما فيهم من أخطاء، والتنبه عليها، ونصحهم بالعدول عنها. ومن هذا المنطلق أذكر بعض ظواهر الخطأ في هذا الموضوع، في بعض الحركات الإسلامية خارج هذه البلاد. وثانيهما: أن بعض هذه الظواهر- أي الفصل بين العلماء والدعاة- بدأت تظهر عند طوائف من الشباب، عندنا، وبعض المفكرين، وبعض المثقفين؛ لسبب أو لآخر، فمن هنا كان لا بد من الكلام عن أوضاع الدعوات المعاصرة بمجملها، في جميع العالم الإسلامي، وليس في بلد واحد؛ لأن بعضها يستمد من بعض. أعود إلى هذه الخصلة-أو هذه السمة التي وقع فيها كثير من الدعاة والدعوات المعاصرة-وهي: (أن الدعاة عندهم غير العلماء والداعية غير العالم) ، وهذا المفهوم بدأ ينمو في أذهان بعض الناس-مع الأسف-، وقد تاصلت هذه المفاهيم حتى في أعمال الدعاة، وفي حركاته، وفي مواقفهم، وفي مناهجهم، فصاروا يفصلون بين العالم ( الشيخ) وبين الداعية، وأدى ذلك الفصل إلى عواقب وخيمة. فالداعية عندهم: هو من ينشط في الدعوة والحركة، لتحقيق مراد أصحابها، أو لتحقيق أهدافها، أو يواليها ويرفع شعارها، ويجمع الناس حوله على هذا الشعار، هذا هو الداعية عند كثير من الدعوات المعاصرة، بصرف النظر عن علمه وفقهه، بل الغالب أنه يكون من قليلي الفقه وقليلي العلم الشرعي، والمشائخ بمفهوم هؤلاء-القاصر- ليسوا دعاة، ولا يصلحون لأن يسهموا في الدعوة أو يدخلوا في إطارها، أو نطاقها؛ لأنهم فيهم... وفيهم..! وبسب هذا الفصل ظهرت أمور، سنشير إلى شيء منها. المسألة الخامسة: من نتائج الفصل بين العالم والداعية: بسبب هذا الفصل بين الشيخ (العالم) والداعية، ظهرت أمور سلبية نراها جلية في كثير من الدعوات الإسلامية، من هذه الأمور: أولًا اتخاذهم رؤساء جهالًا: أغلبهم لا يفقهون من الدين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت