فهرس الكتاب
إلا ما يحلو لهم، وغاية ما يملك بعضهم من العلم، إنما هو مجرد أفكار وثقافات أشتات، زاد كثير منهم: مجرد العواطف والحركة، حتى كاد أن يكون مصطلح الداعية عندهم من ليس بعالم، وأن العالم ليس بداعية. وأحيانا يقولون: فلان داعية- أي ليس بعالم، وفلان شيخ من المشايخ-أي ليس بداعية! وهذا وقوع فيما حذر منه الرسول صلى الله عليه سولم من اتخاذ الناس (رؤوسا جهالا) ، يفتون بغير علم، فيضلوا ويضلوا، فيما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالمًا، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا (أخرجه البخاري في صحيحه 1/234، كتاب: العلم، باب كيف يقبض العلم، وفي 13/295 كتاب:(الاعتصام، باب: ما يذكر من ذم الرأي، ومسلم في صحيحه 2058، كتاب: العلم، باب:رفع العلم وقبضه) . ثانيًا: قلة وجود العلماء والمشايخ فيهم، وقلة المتفقهين في الدين، المتضلعين في العلوم الشرعية بينهم، في أكثر الدعوات المعاصرة، مع أن وجود أهل العلم في الدين شرط من شروط الدعوة إلى الله، سبحانه وتعالى، بخاصة في الدعوات الكبرى، التي ينضوي تحت لوائها جماعات وفئام من الناس، فهذه لا ينبغي أن يفقد فيها العالم، أو أن يكون العالم فيها مغمورًا، او لا يتصدر الدعوة. ثالثًا: قصور النظر في فهم قدر العلماء والمشايخ، ومنزلتهم عند كثير من أتباع هذه الدعوات، فمن هنا وُجد من بعضهم اتهام للعلماء بالقصور أو التقصير أو قلة الوعي، أوأي نوع من أنواع التنقيص لتبرير عدم صلة الدعاة بالعلماء، بل إن بعض الدعاة يرفع نفسه ودعوته على حساب الكلام في أعراض العلماء، وهذا الأمر- وإن كان كشفه مؤلمًا- لكن لا بد من ذكره، ولا بد من السعي لعلاجه. رابعًا: توريط بعض شباب الأمة بالانتماء للشعارات والقيادات الدعوية، وليس لأهل العلم والعلماء، بل أصبح الانتماء للشعار والجماعة الدعوية أكثر منه للسنة والجماعة وأهل العلم (اقرأ كتاب: حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية للشيخ الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد: فهو مفيد جدًا) خامسًا:فصل الشباب عن مشايخهم وعلمائهم، ومن ثم حجبهم عن النظرة الشرعية الشمولية للدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى- وغاياتها ومناهجها، وحجبهم عن الاهتداء بهدي أئمة السنة قديمًا وحديثًا، بل إن بعض الجماعات تربي شبابها على جوانب من مناهج السلف تخدم أهدافها، أو تخدم الجماعة وشعاراتها، وتغفل الجوانب الأخرى والسنة والعلم وسير أهل العلم، وهذه من أساليب أهل الأهواء وأهل البدع، يأخذون من الأئمة ما يحلو لهم من قول أو فعل، ويتركون الباقي، وهذا خلل في النظرة وخلل في النهج. سادسًا: كثرة الشعارات والأهواء والانتماءات والافتراقات والعصبيات للجماعات أو للأشخاص، مع العلم أن الأمة لا يجمعها على السنة والخير إلا علماؤها، ومهما بالغت الفرق، أو مهما بالغت الجماعات والدعاة في أي مكان وفي أي زمان للسعي إلي جمع المسلمين، دون الاسترشاد بأهل العلم، ودون أن يجعلوا العلماء قادة وموجهين ومرشدين وأئمة للدعوات، فإن الشمل لن يجتمع، نعم لن يجتمع شمل الأمة إلا بالالتفاف حول علمائها، مهما بلغت الدعوات من السعي إلى وسائل الجمع وأساليبه، وهذا الخلل سبب رئيس في كون الجماعات تتنافر ولا تتفاهم، وتفترق وتفرق أكثر مما تجتمع وتجمع، وواقعها شاهد بذلك. سابعًا: عزل الشباب عن سنن الهدى والعلم الشرعي، فقد نتج عن العزل بين العلماء لدى بعض الدعوات المعاصرة، أقول بعض الدعوات حتى لا نظلم الذين هم على الاستقامة، أن نشأت لبعض الدعوات مناهج وأفكار وكتب ومؤلفات معزولة عن السنن، وعن العلوم الشرعية بشموليتها، بل بتفصيلاتها، وصار كل طائفة تأخذ من العلوم الشرعية ما يناسب أوضاعها، وهذا أسلوب من الأساليب الخاطئة التي تخالف منهج السلف، حتى نشأ للدعوة في العالم الإسلامي علم يشبه علم الكلام لدى الجماعات في ارتباطه بالأهواء والأشخاص، لا بارتباطه بالسنة وبالأئمة. وقد بزرت في الآونة الآخيرة- نتيجة لهذا الفصل بين الدعاة والعلماء- دعوات كبرى، قوامها وركائزها: رؤساء ليسوا بعلماء، وتعتمد على أفكار وحركات محدثة، تخالف هدي الإسلام، وعلى عواطف لا تضبطها القواعد الشرعية ولا المصالح المعتبرة. ثامنًا: التقصير في طلب العلم الشرعي على أصوله وعلى مناهجه السليمة الصحيحة، بل نتج من ذلك عن أصحاب الدعوات التي تفصل بين العلماء والدعاة: الحيلولة بين أتباعها وبين تحصيل العلم من المشائخ، بل كثيرًا ما ترد إشكالات من بعض الشباب في شتى بلاد العالم الإسلامي،ناتجة من صرف بعض الدعاة لأتباعهم عن العلماء بذرائع شتى، حتى إن بعضهم قد يعاقب الشاب الذي ينتمي إليه: لماذا جلس يطلب العلم الشرعي على الشيخ فلان!! ونتيجة لذلك حصل الخلل في المفهوم، فقد فهم بعض