فهرس الكتاب

الصفحة 1108 من 1363

الدعاة- هداهم الله بسبب العزلة بينهم وبين المشايخ- أن المشايخ خصوم أو أعداء للدعوة، أو أن لديهم ما يضر بالمنتسب، أو ما يشوش أفكاره عليها. وسبب ذلك: أن في دعواتهم أمراضًا ومصائب لا يرضاها العلماء، وقد ينتقدونها، ومن هنا تعللوا بصرف شبابهم عن العلماء وأهل العلم والفقه في الدين. وفي الآونة الأخيرة لما رأى بعضهم عوار هذا النهج صاروا يوجهون شبابهم إلى المشايخ لأخذ العلم عنهم فقط، دوما ما يتعلق بالمناهج والقضايا الدعوية والتربوية ونحوها، وهذا من مسالك أهل الأهواء، وهو مسلك خطير، يجب ألا يستمر عليه من ينشد الحق والإصلاح، ولذلك وجب مناصحة أولئك الدعاة وبيان الحق لهم. تاسعًا: في بعض الدعوات التي تسلك هذا المسلك، ظهرت فئات من الجماعات والدعاة والشباب في البلاد العربية وغيرها-عددها ليس بالقليل-تجد قادتهم على قلة في الفقه وضعف في العلم، أو تتلمذوا على الأقل علمًا واتخذوا شيوخهم من الأصاغر، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك حيث قال (إن من أشراط الساعة: أن يُلتمس العلم عند الأصاغر) (أخرجه ابن المبارك في الزهد 61 ، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة 102، وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد 1/135 إلى الطبراني في الأوسط والكبير وغيرهم، وحسنه الحافظ المقدسي، وصححه غيره- وهو الصواب، فالراوي عن ابن لهيعة ابن المبارك. وراية العبادلة عنه صحيحة، وهذا منها، والله أعلم، وقد فسر ابن المبارك الأصاغر بأهل البدع كما في(شرح أصول اعتقاد أهل السنة) للالكائي و (الففيه والمتفقه) للخطيب)، وهذا - والله أعلم- يشمل الاصاغر في العلم والقدر والسن، وكل ذلك حاصل في هؤلاء، ومنهم طائفة يتخذون شيوخهم:كتبهم، وما يرشحونه من كتب فكرية أو ثقافية، وأغلب ما تعتمد هذه الجماعات على الكتب الفكرية والثقافية أكثر من الكتب الشرعية، بل فيهم من يتنكر لكتب السلف الصالح. ومنهم من جعلوا قادتهم- مع الأسف- جهالهم، وأحكامهم: أهواؤهم؛ مما أدى إلى الخلط وإلى الخبط والاضطراب عند بعض هؤلاء في العقائد وفي الأحكام، وفي المواقف وفي التعامل مع الآخرين، وفي النظرة إلى قضايا الأمة الكبرى، وفي التصرفات الطائشة التي تحدث مع بعضهم، وفي صدور الأحكام المتعجلة، ونحو ذلك من المظاهر التي نراها في فئة من الشباب، وإن كانت والحمد لله قليلة، لكن القليل في مثل هذه الأمور لا ينبغي الاستهانة به؛ بل ينبغي علاجه؛ لأنه إذا كثر قد يصعب، بل قد يستحيل علاجه. المسألة السادسة: كلمة إنصاف: وسأخص الحديث فيها عن نوعين من العاملين في مجال الدعوة إلى الله: النوع الأول: غالب طلاب العلم الشرعي عندنا في هذه البلاد (أعني: المملكة العربية السعودية) ، أشهد أني أرى عليهم علامات الرشد، والالتفاف حول العلماء، والاسترشاد بأهل العلم والتلقي عنهم، وهذه ظاهرة سارة، وهي الأصل، وينبغي أن نشجع الشباب عليها، وسائر طلاب العلم. كما أني أرى من المظاهر السارة للشباب هنا: استقامة العقيدة، واستقامة السلوك، والحرص على تلقي العلم الشرعي بمناهجه وأساليبه الصحيحة من مصادره الأصلية: كتب السلف المستمدة من الكتاب والسنة، وتلقيه على أهله، وهم العلماء- أئمة الدين- والمشايخ الذين هم القدوة، وهذه ظاهرة تبشر بالخير، وهي نتيجة طبعية لأخذ العلم الشرعي عن أهله، لكن مع ذلك هناك بعض الظواهر التي أشرت إليها، والتي-أحيانًا-قد تكون من النتائج التي تصحب مثل هذا الإقبال الكبير على الخير-والحمد لله-فإن غرس الله ظهر، وريح الإيمان هبت، وإقبال الشباب منقطع النظير حتى يكاد يكون أكبر من أن يتحكم فيه بالإرشاد والتوجيه. وهذا الإقبال على الخير والصحوة المباركة أمر يجب أن نفرح به، وأن نستبشر به في الجملة، وهي علامة خير، ولله في ذلك حكمة يعلمها، ولا يمكن أن يكون هذا الإقبال على الخير ظاهرة اجتماعية، أو مجرد رد فعل لأوضاع سيئة-كما يقال- الأمر أكبر من ذلك- الأمر هو من مراد الله، ومن سنته التي لا تتبدل ولا تتخلف، فقد بلغ السيل الزبى، وقد طغى الزبد، ولا بد أن يذهب الزبد جفاء، ولا يمكن ذهابه إلا بجهود بشر، والبشر الذين يصطفيهم الله لا بد أن يكونوا على علم وفقه في الدين، وأظن أن الله هيأ هذا الجيل الطيب، ليقوم بدور عظيم طالما تخلف عنه المسلمون في هذا العصر من نصرة الإسلام ونصرة الحق، وهذا قدر الله وأمره، وهو سنة الله- ولا راد لسنة الله-. لكن مع ذلك قد يأتي مع الخير بعض الشر وبعض الشذوذ، مثل: التشدد في الدين، أو الأهواء ونزعات الافتراق، مصداقًا لخبر النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لا بد من علاج هذه الظواهر، التي تنشأ بشكل طبعي بين ثنايا الاتجاه العارم إلى الخير. تنويه: وقبل أن أخرج إلى مسألة أخرى، أحب أن أنوه عن أمر آخر، هو: إنه-بحمد لله- يوجد في هذا البلد من المشايخ الذين هم على السنة والاستقامة، من فيهم الخير والكفاية، كما يوجد من طلاب العلم، الذين يجمعون بين العلم والقدوة العدد الوافر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت