فهرس الكتاب
الذي به ستسترشد وتستنير الدعوات-إن شاء الله-. النوع الثاني: وهو الدعوات في العالم الإسلامي الآخر وخارجه، فلا بد من كلمة إنصاف في حقها، لأني حين ذكرت بعض الظواهر المخالفة للسنة فيها ولديها كان حديثي فيه شيء من العموم، وكان من الأولى أن أنصفها، بأن أذكر الجوانب الإيجابية والخيرة في الدعوات في سائر العالم الإسلامي، لكن عذري أن الموضوع متعلق بمسألة معينة: وهي الفصل بين العلماء والدعاة، فكان لا بد من التنبه والإشعار بهذه السمات أو الظواهر الخاطئة ابتداء. أما الدعوات المعاصرة في شتى العالم الإسلامي وغير الإسلامي، التي تحمل لواء الدعوة، فإنه يوجد فيها من هو على السنة أفرادًا وجماعات: كأنصار السنة، وأهل الحديث، وأكثر الجماعات السلفية وغيرها، إن فيها خيرًا كثيرًا برغم ما يعتريها من نواقص ومن خلل. وإذا وازناها بأحوال المسلمين، فإنها أصلح من أحوال عامة المسلمين، ورجالها ودعاتها وشبابها لا شك أنه أحسنوا حين قاموا بواجب قصر فيه غيرهم، ويكفيهم أنهم احتسبوا الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ورفعوا راياتها، وتحملوا المشاق والعداء من أجل الإسلام، وانتصروا للإسلام في قضاياه الخارجية والداخلية، كل منهم بقدر جهده وبأسلوبه. وهذا فضل لهم لا بد أن يذكر ويشكر، وحقهم علينا النصح والإرشاد والتسديد والعون على البر والتقوى، والدعاء لهم بالغيب. ثم إن الدعوات المعاصرة ليست كلها واقعة فيما ذكرت، وإنما بعض منها، وإلا ففيها من هو في الجملة على السنة والاستقامة في السلوك والعمل والنهج، وفيها من يتلقى من العلماء، وفيها الأسوة، وفيها القدوة، لكنها ليست هي الكثير، بل الأكثر من أصحاب الشعارات والدعوات الكبرى هم من ذكرت ممن تكثر فيهم الأخطاء، وما هم فيه من أخطاء يستوجب التحذير منها أولًا. وثانيًا يستوجب النصح لهم بالإرشاد والبيان، وأحسبهم-إن شاء الله- ممن يريد الحق ويسعى إليه؛ لأنهم- كما أحسبهم إن شاء الله- ما رفعوا لواء الدعوة إلا حسبة لله، وإلا بحثًا عن الحق، ومن هنا أتعشم فيهم- جميعًا- أن يكونوا من رواد الحق وأن يقبلوا النصيحة. المسألة الأخيرة: الإشارة إلى الحل: الحل في نظري لا يمكن أن يبت به مثلي، فأنا- والله- أحوج إلى النقد والنصح، لكن لا بد من الإسهام- ولو بمجرد رأي قابل للنقاش. ثم إن الحل ينبغي أن تتبناه جماعة المسلمين المتمثلة في علمائها وطلاب العمل فيها، أو طائفة منهم تنوب عن سائرهم وتتصدى للحل. وأرى أن ترفع مثل هذه المشكلات المتعلقة بالدعاء والدعوات بعرض واف ومفصل لأهل العلم، ونعرضها على العلماء بأفرادهم ومؤسساتهم وبهيئاتهم في كل بلد بحسبه، ولا مانع أن تكون جميع أحوال العالم الإسلامي تعرض على علماء بلد معين أو أكثر إذا رؤي أنهم هم الأمثل، وأن منهجهم هو الأسلم. لكن مع ذلك لا بد- وقد طرح الموضوع- وإن نسهم جميعًا في بيان بعض وجوه الخلل، ونقترح الحلول-وإن كانت قابلة للنقاش، وعليه فإني أرى أن من الحل لمثل هذه الظاهرة، وهي الفصل والجفوة المفتعلة بين العلماء والدعاة، أوبين العلم والدعوة ما يلي: § الالتفاف حول العلماء والصدور عن قولهم وتوجيههم. § التفقه في دين الله تعالى. § ومناصحة ولاة الأمور. § وطرح الشعارات. § وعقد الولاء على السنة والجماعة. أما تفصيلًا فأشير إلى المقترحات التالية: أولًا: ضرورة اهتمام العلماء وطلبة العلم بهذا الأمر دراسة ومعالجة، وأن تتفرغ طائفة من المشايخ من أهل العلم الشرعي وأهل الفقه في الدين لهذا، وتعكف على الحلول للنصح بها لهؤلاء الذين وقعوا فيها. ومن ذلك: تأليف الكتب والرسائل التي تعالج هذه القضايا، والإسهام بالمقالات وغيرها في وسائل الإعلام المشروعة وغير ذلك. ثانيًا: أرى أنه لا بد أن تنتقل طائفة من العلماء وطلاب العلم المؤهلين في البلاد الإسلامية؛ ليرشدوا الدعاة- وإن كان هذا خلاف الأصل، فالأصل أن العلماء يُسعى إليهم ويسافر إليهم من أجل أن يؤخذ العلم عنهم، ولا يسعوا هم إلى الناس- لكن أرى أنه لا مانع في هذه الظروف العصيبة، وفي هذا العصر والوضع الذي نعيشه، أن تسافر طائفة من العلماء وتنتقل إلى شتى أقاليم المسلمين، بل حتى إلى البلدان غير الإسلامية التي يوجد بها مسلمون، ويوجد بها دعوة إلى الله. لا بد أن تتحمل طائفة من العلماء أعباء السفر والذهاب إلى أولئك، وربما الإقامة بينهم، لتعليمهم أصول دينهم، ولإرشادهم فيما يجب أن يسترشد به في أمور دينهم ودنياهم، خاصة في أمور الدعوة؛ لأن ظروف المسلمين الآن لا تسمح بالتنقل والسفر من بلد إلى بلد إلا بصعوبة بالغة، وبأخطار ومشقات لا يتحملها أغلب الناس، حيث صار التنقل من بلد الإسلام إلى بلد الإسلام يحتاج إلى إجراءات أصعب من التنقل في بلاد الكفار وإليها، وهو أمر واقع، فحسبنا الله ونعم الوكيل. فمن هنا أقول تقديرًا لهذه الظروف: لا بد أن تسافر مجموعة من العلماء وطلاب العلم الذين عندهم فقه في الدين لإرشاد الدعاة