الحمد لله والصلاة على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد فهذه مسائل متعلقة بالرسالة والرسل كتبها فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله وهي تشتمل على الفرق بين النبي والرسول ، وإمكان الوحي والرسالة ، حاجة البشر إلى الرسالة نسأل الله أن ينفع بها وإليك هذه المسائل: المسألة الأولى: الفرق بين النبي والرسول وبيان النسبة بينهما النبي: مشتق من النبأ، بمعنى: الخبر، فإذا كان المراد أنه يخبر أمته بما أوحى الله إليه، فهو فعيل، بمعنى: فاعل، وإن كان المراد أن الله يخبره بما يوحي إليه، فهو فعيل، بمعنى: مفعول، ويصحّ أن يكون مأخوذًا من النَّبء (بالهمزة وسكون الباء ) ، أو النبوة، أو النباوة ( بالواو ) ، وكلها بمعنى: الارتفاع والظهور، وذلك لرفعة قدر النبي، وظهور شأنه، وعلو منزلته. والفرق بين النبي والرسول: أن الرسول من بعثه الله إلى قوم، وأنزل عليه كتابًا، أو لم ينزل عليه كتابًا لكن أوحى إليه بحكم لم يكن في شريعة من قبله؛ والنبي: من أمره الله أن يدعو إلى شريعة سابقة دون أن ينزل عليه كتابًا، أو يوحي إليه بحكم جديد ناسخ أو غير ناسخ، وعلى ذلك، فكل رسول نبي، ولا عكس، وقيل: هما مترادفان، والأول أصح. المسألة الثانية: إمكان الوحي والرسالة الوحي لغة: الإعلام في خفاء بإشارة، أو كتابة، أو إلهام، ثم مناجاة أو نحو ذلك. وشرعًا: هو إعلام الله نبيه بحكم شرعي، ونحوه، بواسطة، أو بغير واسطة. ولا يبعد في نظر العقل، ولا يستحيل في تقدير الفكر، أن يختص واهب النعم، ومفيض الخير بعض عباده: بسعة في الفكر، ورحابة في الصدر، وكمال صبر، وحسن قيادة، وسلامة في الأخلاق، ليعدهم بذلك لتحمل أعباء الرسالة، ويكشف لهم عما أخفاه عن غيرهم، ويوحي إليهم بما فيه سعادة الخلق، وصلاح الكون، رحمة للعالمين، وإعذارًا إلى الكافرين، وإقامة الحجة على الناس أجمعين، فإنه - سبحانه - بيده ملكوت كل شيء، وهو الفاعل المختار، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا راد لما قضى، وهو على كل شيء قدير. وآية ذلك أنا نشاهد أن الله - سبحانه - خلق عباده على طرائق شتى في أفكارهم، ومذاهب متباينة في مداركهم، فمنهم من سما عقله، واتسعت مداركه، واطلع من الكون على كثير من أسراره، حتى وصل به ثاقب فكره، وانتهت به تجاربه إلى أن اخترع للناس ما رفع أولو الألباب من أجله رؤوسهم إليه، إعجابًا به، وشهادة له بالمهارة، وأنكره عليه صغار العقول حتى عدّوه شعوذة، وكهانة، أو ضربًا من ضروب السحر، ولا يزالون كذلك حتى يستبين لهم بعد طول العهد، ومر الأزمان ما كان قد خفي عليهم، فيذعنوا له، ويوقنوا بما كانوا به يكذبون، ومنهم من ضعف عقله، وضاقت مداركه، فعميت عليه الحقائق، واشتبه عليه الواضح، فأنكر البدهيات، ورد الآيات البينات، بل منهم من انتهى به انحراف مزاجه، واضطره تفكيره، إلى أن أنكر ما تدركه الحواس كطوائف السونسطائية (1) . وكما ثبت ذلك التفاوت بين الناس في العقول بضرورة النظر، وبديهة العقل، ثبت التفاوت بينهم (أيضًا (في قوة الأبدان وضعفها، وسعة الأرزاق وضيقها، ونيل المناصب العالية، والاستيلاء على زمام الأمور، وقيادة الشعب، والحرمان من ذلك، إما للعجز أو القصور، ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًا وإما لحكمة أخرى يعلمها مدبر الكائنات ؛ وربما كشف عن كثير منها الغطاء لمن تدبر القرآن، وعرف سيرة الأنبياء، وتاريخ الأمم، وما جرى عليها من أحداث. فمن شاهد ما مضت به سنة الله في عباده من التفاوت بينهم في مداركهم، وقواهم وإرادتهم، وغير ذلك من أحوالهم، لم يسعه إلا أن يستسلم للأمر الواقع، ويستيقن بأن لله أن ينبئ من يشاء من خلقه، ويصطفي من أراد من عباده."رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزًا حكيمًا".(سورة النساء، الآية: 165) "وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون" (سورة القصص، الآية: 68) "وقالوا لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم. أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعض سخريًا ورحمة ربك خير مما يجمعون" (سورة الزخرف، الآيتان: 31، 32) إن الحوار الذي دار بين الرسل وأممهم يدل على أنهم لم يكونوا ينكرون الرسالة، ولم يكونوا يستبعدون حاجتهم إلى هداية من الله عن طريق روح طيبة يختارها الله لوحيه، أو نفس طاهرة يصطفيها لتبليغ شرعه، لكنهم استبعدوا أن يكون ذلك الرسول من البشر، وظنوا خطأ أنه إنما يكون من الملائكة، زعمًا منهم أن البشرية تنافي الرسالة، فمهما صفت روح الإنسان، وسمت نفسه، واتسعت مداركه، فهو في نظرهم أقل من أن يكون أهلًا لأن يوحي الله إليه، وأحقر من أن يختاره الله لتحمل أعباء رسالته. ومن نظر في الكتب المنزلة، وتصفح ما رواه علماء الأخبار، اتضح له ما ذكر من إمكان الوحي، وحاجة الناس إليه. قال تعالى:"ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه إني"