فهرس الكتاب

الصفحة 1126 من 1363

ما أكثر الدروس وما أجل العبر في حياة المسلم، وما أقل المعتبرين والمدَّكرين، ويا أسفا على الغفلة والغافلين، وما أصدق قول القائل:

ما مرَّ يوم على حي ولا ابتكرا إلا رأى عبرة فيه إن اعتبرا

الطوام العظام، والمآسي الجسام التي حلت بالمسلمين قديمًا وحديثًا لا تنقضي، وما من طامة إلا والتي تليها أكبر منها، ومن أمثلة تلك الطوام التي لا تنسى، والمآسي التي تدع الحليم حيران، سقوط بغداد على أيدي التتار الأقدمين، وسقوط الأندلس، والخلافة الإسلامية، وضياع فلسطين على أيدي الصهاينة والصليبيين، وسقوط بغداد الثاني على أيدي التتار المُحْدَثين.

وعلى الرغم من اختلاف الأزمنة، والأهداف، والأدوار، والمنفذين، إلا أن الغرض واحد، وهو ضرب الإسلام ومحاولة القضاء عليه، وسبب تداعي هذه الأمم الكافرة على الإسلام وإلى يوم القيامة واحد كذلك، وهو ما أخبر به رسول الهدى وأرشد إليه بقوله:"يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها؛ قلنا: يا رسول الله، أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، تنزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن؛ قالوا: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت".

وبقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم".

وبقوله كذلك:"يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المؤنة، وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، فلولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم".

وقال فيما رواه عنه ابن عباس رضي الله عنهما:"خمس بخمس: ما نقض قوم العهد إلا سلط عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا المكيال إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر".

وقد صدق القائل:

بذا قضى الله بين الخلق مذ خلقوا إن المخاوف والإجرام في قرن

وكذلك العظات والعبر والدروس المستفادة سواء.

ومن العجيب الغريب أن ينتبه ويتفطن بعض عقلاء الكفار لهذه الدروس ويستفيدوا منها، ويغفل عنها أهلها الذين خوطبوا بها.

استمع إلى ما حكاه الإمام ابن قتيبة الدينوري رحمه الله في كتابه"تأويل مختلف الحديث":(حدثني رجل من أصحاب الأخبار أن المنصور العباسي سمر ذات ليلة، فذكر خلفاء بني أمية وسيرتهم، وأنهم لم يزالوا على استقامة حتى أفضى أمرهم إلى أبنائهم المترفين، فكان همهم من عظيم شأن الملك وجلالة قدره قصد الشهوات، وإيثار اللذات، والدخول في معاصي الله عز وجل ومساخطه، جهلًا منهم باستدراج الله تعالى، وأمنًا من مكره تعالى، فسلبهم الله تعالى الملك والعز، ونقل عنهم النعمة، فقال له صالح بن علي: يا أمير المؤمنين، إن عبيد الله بن مروان دخل أرض النوبة هاربًا فيمن اتبعه، سأل ملك النوبة عنهم فأخبر، فركب إلى عبيد الله، فكلمه بكلام عجيب في هذا النحو لا أحفظه وأزعجه عن بلده، فإن رأى أمير المؤمنين أن يدعو به من الحبس بحضرتنا في هذه الليلة، ويسأله عن ذلك؛ فأمر المنصور بإحضاره وسأله عن القصة.

فقال: يا أمير المؤمنين، قدمت أرض النوبة بأثاث سلم لي فافترشته بها، وأقمت ثلاثًا، فأتاني ملك النوبة، وقد خبر أمرنا، فدخل عليَّ رجل طوال، أقنى، حسن الوجه، فقعد على الأرض ولم يقرب الثياب، فقلت: ما يمنعك أن تقعد على ثيابنا؟! فقال: إني مَلِك، وحق على كل مَلِك أن يتواضع لعظمة الله عز وجل إذ رفعه الله؛ ثم أقبل عليَّ فقال لي: لِمَ تشربون الخمور وهي محرمة عليكم في كتابكم؟ فقلت: اجترأ على ذلك عبيدنا وسفهاؤنا؛ قال: فلِمَ تطؤون الزرع بدوابكم والفساد محرم عليكم في كتابكم؟ قلت: يفعل ذلك جهالنا؛ قال: فلم تلبسون الديباج والحرير، وتستعملون الذهب والفضة، وهو محرم عليكم؟ فقلت: زال عنا الملك، وقل أنصارنا، فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا؛ فاطرق مليًا، وجعل يقلب يده وينكت في الأرض، ثم قال: ليس ذلك كما ذكرت، بل أنتم قوم استحللتم ما حرم عليكم، وركبتم ما عنه نهيتم، وظلمتم فيما ملكتم، فسلبكم الله تعالى العز وألبسكم الذل بذنوبكم، ولله تعالى فيكم نقمة لم تبلغ نهايتها، وأخاف أن يحل العذاب وأنتم ببلدي فيصيبني معكم، وإنما الضيافة ثلاث، فتزودوا ما احتجتم إليه، وارتحلوا عن بلدي؛ ففعلتُ ذلك).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت