فهرس الكتاب

الصفحة 1127 من 1363

هذه الحكاية غنية عن التعليق، وكافية لمن ألقى السمع وهو شهيد؛ العظات، والعبر، والدروس من هذه الطامة ومن غيرها كثير، وسنشير إلى أخطرها، فنقول:

أولًا: التفرق والاختلاف

من الدروس العظيمة والعبر الخطيرة التي يمكن أن يعقلها العاقلون، ويستفيد منها المستفيدون، خطورة التفرق والاختلاف الذي أصاب هذه الأمة، وكان سببًا لكل النكبات التي حلت بالمسلمين قديمأً وحديثًا، وعظمت به البلوى واشتد به الكرب في هذا العصر خاصة، حيث أضحى المسلمون شيعًا وأحزابًا، كل حزب بما لديهم فرحون، على الرغم من تحذير الله ورسوله لهم عن ذلك، فقال عز من قائل:"واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا"، وقال:"إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء".

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حَذْو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة؛ قال: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي".

لقد أفلح الكفار في انتهاج سياسة"فرِّق تسد"بين المسلمين، بعد أن قسموا الدولة الإسلامية إلى دويلات صغيرة بحدود وهمية، ولم يخرج المستعمر من ديار الإسلام إلا بعد أن زرع قنابل موقوتة تفجرت بعد خروجهم بين الإخوة والجيران، ولا تزال تتفجر.

فعلى المسلمين أن يجمعوا بين صفوفهم، وأن ينبذوا أسباب الفرقة والخلاف ليكونوا عباد الله إخوانًا، فالفرقة شر، والخلاف شر، ولولا اختلاف المسلمين وتفرقهم لما استطاع الكفار أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه، ولله در القائل:

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرًا وإذا افترقن تكسرت آحادًا

وليس لهم مجال إلى الاجتماع والائتلاف إلا بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسول الله، ونبذ الهوى، وهو:

ثانيًا: نبذ الهوى

من الأسباب الرئيسة لهذا التفرق، والتشتت، والتناحر اتباع الهوى وحب الدنيا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وهذا هو المانع للناس عند التنازع من رد الأمر إلى الله ورسوله كما أمرنا ربنا:"فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا".

هذه الأدواء الثلاثة إذا حلت بالأمة لم يُجدِ فيها أمر ولا نهي، ولم تنفعها نصيحة، كما أخبر الصادق المصدوق:"بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العوام"، واتباع الهوى مانع لاتباع الحق:"أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلًا".

واتباع الهوى، وحب الدنيا، والإعجاب بالرأي، والاغترار بذلك، بجانب أنه مصدر الخلاف في هذه الأمة فهو سبب للتباغض، والتحاسد، والتدابر، والتقاطع، وهو الدرس الآتي:

ثالثًا: احذروا الحالقة التي تحلق الدين

التفرق، والتشتت، وانعدام الثقة، أفرز في الأمة أمراضًا خطيرة من أمراض الأمم السابقة التي لم تكن معروفة في سلفنا الصالح، وبهذا أخبر الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم:"دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء، هي الحالقة، حالقة الدين لا حالقة الشَعَر، والذي نفس محمد بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم".

إذا لم تتخلص الأمة من هذه الأدواء فلا سبيل إلى عزها ونصرها، وأنى يأتي النصر مع التفرق، والتشتت، والتحاسد، والتباغض، والتدابر؟

رابعًا: الحذر من الاختراق

هذه وسيلة من وسائل الكفار والمنافقين القديمة الحديثة، إذ لم يزل الكفار والمنافقون يمارسونها ويتفتنون فيها بعد أن ذاقوا ثمارها، فهي تمكنهم من الوصول إلى أغراضهم بأقل الخسائر، وأقصر الطرق، وليس ما حدث يوم الأربعاء المشؤوم في بغداد عنا ببعيد، حيث انقلبت الموازين، واختلت الأمور، ودخل الصلييون عاصمة الخلافة بغداد في سهولة ويسر لم يكن يتصوره إنسان، كل ذلك بسبب الغدر والخيانة، والاختراق المبكر لضعاف النفوس وأراذل القوم، الذين باعوا آخرتهم إن كانت لهم آخرة بدنيا غيرهم، وسلموا عاصمة الخلافة الإسلامية في عهدها الزاهر لقمة سائغة لأعداء الملة والدين، فازدادوا كفرًا على كفرهم، بتوليهم للكفار، وعونهم لهم، كيف يمكن للأمة الإسلامية أن تأمن الاختراق في هذا العصر الذي ضعف فيه المسلمون واستأسد فيه الكفار والمنافقون، وقد حاولوا اختراق عمال عمر رضي الله عنه؟

سأل عمر رضي الله عنه حذيفة صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين:"ناشدتك بالله هل سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم؟ قال حذيفة: لا؛ ثم قال له: ناشدتك بالله، هل في عمالي أحد منهم؟ قال: نعم؛ ولكنه أبى أن يسميه له؛ فعزله عمر كأنما دلّ عليه، وذلك لأنه كان ذا فِرَاسة صادقة، وبصيرة نافذة، ورأي سديد."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت