فهرس الكتاب

الصفحة 1128 من 1363

فالحذر الحذر من الاختراق، والحرص الحرص على الحيطة.

خامسًا: الحذر من العمل أو القتال تحت راية عُمِّيَّة

من الدروس المهمة، والعظات الواجب أخذها من هذه المأساة، الحذر كل الحذر من العمل تحت راية عُمِّيَّة، وأخطر من ذلك القتال تحت رايةعُمِّيَّة، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

خرَّج الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، ثم مات، مات ميتة جاهلية، ومن قتل تحت راية عُمِّيَّة، يغضب للعصبية، ويقاتل للعصبية، فليس من أمتي، ومن خرج من أمتي على أمتي، يضرب برَّها وفاجرها، لا يتحاش من مؤمنها، ولا يتقي بذي عهدها، فليس مني".

وما رأينا وسمعنا من خذلان وتنكر أصحاب الرايات العُمِّيَّة لإخوانهم الصادقين، الذين جاءوا لنصرتهم في بغداد ولصد العدوان عنهم، من فعال يندي لها الجبين، وليت أصحاب هذه الرايات العُمِّيَّة قاتلوا حمية وعصبية، لأنه يمكن نصر هذا الدين بالرجل الفاجر، ولكنهم آثروا الآجلة على الآخرة، وحجبوا السلاح عن المجاهدين الصادقين، وضللوهم، وتجسسوا عليهم لصالح إخوانهم من الكفار الغازين، مما جعلهم وسط نارين.

لهذا فإنه يجب على الصادقين المخلصين الذين يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى أن يحذروا القتال مع أصحاب الرايات العُمِّيَّة.

سادسًا: من تولى عن حكم الله ورسوله تولى الله عنه

من أسباب الخذلان الرئيسة في جميع النكبات والمآسي التي حلت بالمسلمين قديمًا وحديثًا تولي المسلمين عن حكم الله ورسوله، وعدم نصرهم لله، ومن تولى عن الله وخذل دينه هيهات أن يعينه الله، بل يتركه الله أذل وأحقر ما يكون، قال تعالى:"إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده"، وقال:"إن الذين يحادُّون الله ورسوله أولئك في الأذلين".

لذا يجب على المسلمين أن يتعظوا ويفيقوا من سباتهم، ويراجعوا حالهم، ويحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا، عليهم أن يتهموا أنفسهم في اعتقادهم، وفي عبادتهم، وفي سلوكهم، وفي معاملتهم لإخوانهم المسلمين، وفي تقصيرهم نحو الكفار أمة الدعوة في ترك جهادهم لإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

وإذا أرادوا العز ، والخروج من هذه النكبات والكوارث والمصائب والملمات، والنصر على الأعداء، فعليهم بالآتي:

( أ) توحيد مصدر التلقي وكيفية التلقي لهذا الدين

من المسلمات في هذا الدين أن مصدر التلقي فيه هو الوحي المنزل من عند الله عز وجل، قرآنًا وسنة، لا مصدر غيره ولا مرجع سواه، وكيفية تلقي هذا الوحي بيّنها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسار عليها خلفاؤه وأصحابه ومن والاهم، وملخص ذلك التسليم المطلق، والإذعان الكامل، والرضا التام بحكم الله ورسوله:"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا".

وهذا هو ما كان عليه السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة، ولكن عندما تعددت المصادر بأن ابتدعت مصادر جديدة، نحو:

1.الفلسفة والمنطق.

2.العقل البشري.

3.المصلحة الموهومة.

4.الخلاف المجرد من الدليل.

وتغيرت كيفية تلقي الوحي، بحيث أصبحت النصوص الصحيحة الصريحة تعرض على هذه المصادر الجديدة المبتدعة، فما وافقها قبل، وما خالفها أوِّل أو ردّ، تغيرت أحوال المسلمين، وتفرقوا، وتشتتوا، وخذلوا، وهزموا، وهانوا على أعدائهم.

فإذا أردنا لهذه الأمة الوحدة والائتلاف، ونبذ الخلاف، فهذا هو طريق الوحدة والاجتماع، وبدونه فلن تجتمع الأمة، وإنما ستزداد تفرقًا وتحزبًا وشتاتًا.

( ب) تصحيح العقيدة ونبذ الممارسات الشركية

لقد بلغ الفساد العقدي لدى كثير من المسلمين مداه، بحيث فاق ما كان عليه المشركون الأوائل، وقد صور ذلك أبو السمح أحد أئمة الحرمين الشريفين السابقين شعرًا، فقال:

ولقد أتى في الذكر أن دعاءهم في الكرب كان لربنا الرحمن

فإذا دنا فرج و شاموا برقه عادوا إلى الكفران و الطغيان

لكن قومي في الرخاء و ضده يدعون غير الله بالإحسان

يدعون أمواتًا غدوا تحت الثرى ما إن لهم في ذي الورى من شان

و الله كاشف كل كرب قادر وسواه ذو عجز فقير فانٍ

ومصداق ما قاله أبو السمح في واقع المسلمين واضح للعيان، من أمثلة ذلك ما يلي:

عندما هاجم التتار القدامى بلاد الشام، وخاف الناس أن يصيبهم ما أصاب إخوانهم في عاصمة الخلافة بغداد، طمأنهم أحد الناس بقوله:

يا خائفين من التتار لوذوا بقبر أبي عمر

لوذوا بقبر أبي عمر ينجيكم من الخطر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت