فهرس الكتاب
فهل أصلحت قلبك استعدادا للقاء الله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم [الشعراء:88-89] . هل طهرت قلبك من الشك والرياء هل طهرته من الظنون ومن التعلق بغير الله أو التوكل على غير الله هل طهرته من خوف ما سوى الله هل طهرته من كل محبة سوى محبة الله والحب في الله هل طهرته من أمراض الحقد والحسد والغل لإخوانك المسلمين والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم [الحشر:10] . فأصحاب الجنة هم أصحاب القلوب السليمة الهينون اللينون وقد أتاكم من مقال نبيكم صلى الله عليه وسلم قوله: (( يدخل الجنة أناس أفئدتهم كأفئدة الطير ) ) [1] وقال يزيد بن أسد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أتحب الجنة؟ ) )قلت: نعم قال: (( فأحب لأخيك ما تحبه لنفسك ) ) [2] فكونوا من أهل الإيمان الصادقين الذين سلمت قلوبهم لله وسلمت قلوبهم لإخوانهم المؤمنين فيحبون لهم ما يحبون لأنفسهم ويظنون بهم الخير ولا يظنون بهم السوء فكونوا أيها المسلمون من أهل القلوب السليمة قابلوا الإساءة بالإحسان والخطيئة بالغفران والغلظة بالرفق والجهل بالحلم والعبوس بالابتسامة ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم [فصلت:34] . وليس ذلك ضعفا كما يظن الجهال المتكبرون وليس ذلك نفاقا أو كذبا كما يزينه الشيطان للمغرورين المفتونين وإنما هي منزلة عظيمة لا يقوى عليها إلا الأفذاذ والصابرون من الرجال وأصحاب النفوس العالية الصابرة وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم [فصلت:35] . ولا يخدعنكم الشيطان الذي يكره الخير للمسلمين فيصور لهم العفو ضعفا وحسن المعاملة ومقابلة الإساءة بالإحسان نفاقا وعجزا ليغري المسلمين ببعضهم بعضا فالمبادرة عباد الله فوتوا عليه غرضه وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم [الإسراء:53] . إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء [المائدة:91] . إن الشيطان قد آيس أن يعبده المصلون ولكن في التحريش بينهم فانتبهوا عباد الله وأصلحوا قلوبكم فصلاح القلب هو أول عمل تستعدون به لمفارقة هذه الدار دار الغموم والأسقام وغدا ترحلون عنها إلى دار بقاء بلا زوال ودار نعيم بلا هوان ووالله لو صلحت القلوب لصلحت الأقوال والأعمال (( ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) ) [3] .
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
[1] أخرجه مسلم ح (2840) .
[2] أخرجه أحمد في المسند (4/70) ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/186) ، ورجاله ثقات ، وانظر الفتح الرباني للبنا (19/68) .
[3] أخرجه البخاري ح (52) .
الخطبة الثانية
الحمد لله قاهر المتجبرين وناصر المستضعفين وقيوم السماوات والأرضين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين ذل لكبريائه جبابرة السلاطين وبطل أمام قدرته كيد الكائدين قضى قضاءه كما شاءه على الخاطئين وسبق اختياره من اختاره من العالمين فهؤلاء أهل الشمال وهؤلاء أهل اليمين ولولا ذلك ما امتلأت النار من المجرمين ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين [السجدة:13] . تلك حكمته سبحانه وهو حكم الحاكين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله العبد الصادق الوعد الأمين صلى الله عليه وسلم وصحبه الغر الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فمن الاستعداد ليوم الرحيل بعد إصلاح القلب إصلاح اللسان ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد [ق:16-18] . فإن الرجل ليتكلم الكلمة لا يلقي لها بالا يزل بها أبعد مما بين المشرق والمغرب، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم. فمن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ومن تكلم فيما لا يعنيه حرم الصدق وعاد بالهم والبؤس وأكثر الناس ذنوبا يوم القيامة أكثرهم كلاما فيما لا يعنيهم قال الحسن رحمه الله: من علامة إعراض الله تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه خذلانا من الله عز وجل والعناية المرادة لا يحددها هوى النفس والقلب وإنما الذي يحددها هو حكم الشرع.
فلا تطلق لسانك في كلام يجر عليك أحقابا وحوبا
ولا يبرح لسانك كل وقت بذكر الله ريانا رطيبا