فهرس الكتاب
فالحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات كلها ووسع بصره الموجودات جميعها ووسع علمه الأشياء كلها دقها وجلها .. إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما .. فأين تذهبون وإلى أين تفرون .. يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر .. فلا مفر منه إلا إليه فخير لكم أن تفروا إليه من اليوم منيبين إليه معترفين بذنوبكم بين يديه مطهرين نفوسكم وقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم من كل زلل وغي .. ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين .. وتزودوا ليوم المعاد ولا تلهكم دار الغرور والهوان فتنسيكم ما كتبه الله على أهلها من البوار والفناء .. كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور .. فأعدوا ليوم الدين عدته ومن أراد الفوز والنجاة فليعمل حتى تأتيه بغيته فإن المولى جل وعلا أبى أن يكون الفوز إلا لأهل التقوى الذين حصلوا طرقها وأسبابها فوعدهم ووعده الحق بقوله: ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا [مريم:72] . وقال عز وجل: إن للمتقين مفازا [النبأ:31] . وقال سبحانه: ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون [النور:52] . من التقوى أن يستعد العبد ليوم البعث والنشور فالتقوى هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل.
فلا يكن استعدادكم ليوم الرحيل بالغفلة والعصيان فإن أهل معصية الله إنما عصوه وخالفوه لقلة يقينهم بلقائه ووقوفهم بين يديه في انتظار ثوابه أو عقابه فقادتهم غفلتهم عن وقفة الحساب إلى الاستمرار في المخالفة والعصيان والتمادي في التفريط والإهمال لا يذكرون عن مقامم بين يدي الله الملك الديان ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين [المطففين:4-6] . فيقومون في رشحهم وعرقهم وهولهم ورعبهم وغمهم وكربهم وبؤسهم ونكدهم خمسين ألف سنة في انتظار فصل القضاء والقصاص بينهم في محكمة الله العادلة لا يخاف فيها المؤمن ظلما ولا هضما ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين [الأنبياء:47] . فالعاقل من دان نفسه وحاسبها وعمل لذلك اليوم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون [الحشر:18] . خبير بأعمالكم خبير بأقوالكم خبير بمشاعركم وما تكنه قلوبكم وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين [النمل:74-75] .