فهرس الكتاب

الصفحة 1154 من 1363

القضاء من الوظائف الكبيرة، والمهن الخطيرة، والمسؤوليات الجسيمة، ولهذا اشترط فيمن يتولاه شروطًا لابد من توفرها كلها أوجلها، وحد في ذلك حدودًا يحرم تعديها، وهي:

1.الإسلام.

2.الذكورية.

3.العلم.

4.العدالة.

5.سلامة الحواس.

6.الفطنة.

لم يتول هذا المنصب في صدر الإسلام إلا العدول الأخيار، والعلماء الكبار، أمثال أبي بكر، وعمر، وعلي، وأبي موسى، وغيرهم من الصحابة، وأمثال شريح، وإياس، وأبي يوسف من التابعين وتابعيهم بإحسان، ولا يزال هذا هو ديدن السلف والخلف من الحكام، حتى غشانا هذا العصر، حيث استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فأصبحت القوانين الوضعية بديلًا عن أحكام الشريعة المرضية، وأضحى العلمانيون والنسوان بديلًا عن العلماء والذكران، والدراسات القانونية بديلًا عن الدراسات الإسلامية، والدساتير الفرنسية والهندية والإنجليزية بديلًا عن الشريعة الربانية.

لهذا كان كثير من السلف الصالح يتدافعون القضاء كتدافعهم للإمامة في الصلاة وللأمانات المالية، مع توفر شروط ذلك فيهم، حيث لم يتعين عليهم لتوفر العلماء وكثرة الفقهاء في ذلك الوقت.

ومن هؤلاء من ضرب وحبس وضيِّق عليه بسبب امتناعه عن ذلك، أمثال الإمام أبي حنيفة رحمه الله وغيره.

لقد وجد الإمام أحمد بن حنبل على الإمام الشافعي وجدًا شديدًا فقط لإشارته على هارون الرشيد - وقد استشاره في ذلك، والمستشار مؤتمن - بصلاح أحمد لتولي قضاء اليمن.

من أولئك القضاة الهداة الذين لم يجد الزمن بأمثالهم إلا نادرًا أبو عبد الله محمد بن سعيد بن بشير الأندلسي رحمه الله، الذي تولى القضاء في عهد الأمير الحكم خلفًا للقاضي العادل المصعب بن عمران رحمه الله.

قال القاضي عياض:(قال ابن القوطية لما توفي المصعب بن عمران القاضي استشار الأمير الحكم فيمن يستقضيه، فأجمع له وزراؤه وأعلام الناس على محمد بن بشير كاتب المصعب، وكان قد شهر عفافه، واستقلاله بمعهد المصعب، فولاه القضاء، فأثر على المصعب وبعد في الفضل والعدل صيته، وخلدت آثاره بعد، فلم يزل قاضيًا إلى أن توفي فولي ابنه سعيد مكانه.

إلى أن قال: قال ابن حارث: من مستفيض الأخبار التي لا يتواطأ على مثلها لسعة الاجتماع عليها، أنه كان - أي ابن بشير - من عيون القضاة الهداة، ومن أولي السداد والمذاهب الجميلة، وأصالة الرأي والسيرة العادلة، والذكر الجميل الخالد، وكان شديد الشكيمة، ماضي العزيمة، صلبًا في الحق، مؤيدًا، لا هوادة عنده لأحد، ولا مداهنة لديه لأحد من أصحاب السلطان، لا يُؤثر غير الحق في أحكامه، جيد الفطنة، حسن الانبساط، صادق الحس، قوي الإدراك).

لما استدعى الأمير الحكم ابن بشير ليوليه القضاء بعد وفاة المصعب، عدل في طريقه إلى صديق له عابد يستشيره في ذلك، وكان ابن بشير في أول الأمير يظن أنه وجه إليه في الكتابة التي قد تخلى عنها، فجرت بينهما هذه المحاورة:

فقال له صديقه: ما أرى بعث فيك إلا للقضاء، فقد مات قاضي قرطبة.

فقال له ابن بشير: فإذا قبلتها فما ترى؟ فانصح لي وأشر عليَّ.

قال له العابد: أسألك عن ثلاثة أشياء فاصدقني فيها، كيف حبكم لأكل الطيب، ولباس اللين، وركوب الفاره؟

فقال ابن بشير: والله ما أبالي ما رددت به جوعي، وسترت به عورتي، وحملت به رجلي.

فقال: هذه واحدة، فكيف حبك للوجوه الحسان، وشبه هذا من الشهوات؟

قال: هذه حالة والله ما استشرفت نفسي إليها قط، ولا خطرت ببالي.

قال: هذه ثانية، فكيف حبك للمدح والثناء، وكراهتك للعزل، وحب الولاية؟

قال: والله ما أبالي في الحق من مدحني أوذمني، وما أسر للولاية، ولا أستوحش للعزل.

فقال له: اقبل القضاء ولا بأس عليك.

ذكر أن ابن بشير ولي القضاء بقرطبة مرتين، وكان بعض إخوانه يعتب عليه في صلابته في الحكومة، ويقول: أخشى عليك العزل؛ فكان يقول: ليته رأى الشقراء تقطع الطريق إلى ماردة؛ فما قضى إلى يسيرًا حتى حدثت حادثة أظهر ابن بشير فيها صلابته، فكانت سببًا لعزله، فانصرف لبلده كما تمنى؛ فما لبث إلا يسيرًا حتى كتب له ليعود إلى منصبه، فعدل كذلك وهو في طريقه إلى قرطبة إلى صديق له زاهد فاجتمع به، وقال له: قد أرسل إلي الأمير، أظنه يردني على القضاء ثانية، فما ترى؟

فقال له صديقه: إن كنت تعلم أنك تنفِّذ الحق على القريب والبعيد، ولا تأخذك في الله لومة لائم، فلست أرى لك أن تحرم الناس خيرك، وإن كنت تخاف أن لا تعدل فترك الولاية أفضل لك.

قال ابن بشير: أما الحق فلست أبالي على من أمررته إذا ظهر لي.

فقال له: لستُ أرى أن تمنع الناس خيرك.

فورد قرطبة وولي القضاء ثانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت