فهرس الكتاب

الصفحة 1155 من 1363

وكان سبب عزله كما قال القاضي عياض: أن يده قصرت عن بعض الخاصة ومنع من الحكم عليهم، فحلف بطلاق زوجته ثلاثًا، وعتق مماليكه، وبصدقة ما يملك على المساكين، إن حكم بين اثنين، فعزل، فلما أراد رده اعتذر إليه بتلك الأيمان، فعزم الأمير عليه، فأعتق، وطلق، وتصدق، وأخرج إليه الأمير جارية من جواريه، ومالًا عوضًا عن ماله، ومماليك عوضًا عن مماليكه، ومع ذلك فقد اشترط على الأمير ثلاثة شروط مضمومة، وقال له: إن التزمتها تقدمت، وإلا فلا أقبل البتة؛ والشروط هي:

1.نفاذ الحكم على كل أحد ما بينك وبين حارس السوق.

2.وإن ظهر لي من نفسي عجز استعفيتك فاعفني.

3.وأن يكون رزقي من الفيء.

فضمنها له، فقبل.

قلت: من الطوام العظام والبلايا الجسام التي ابتلي بها بعض الحكام، وجاراهم فيها بعض القضاة: المحاباة، والمحسوبية، والشفاعة في الصداقات والقربات، سيما في الحدود الواضحات، وذلك على الرغم من تحذير الرسول الكريم لأمته من هذا المسلك المشين، والخلق اللئيم، الذي يورد من سلكه الجحيم، ويوصل من استهان به إلى سواء الحميم، وذلك عندما شق على قريش في أول الأمر إقامة الحد على تلك المخزومية التي كانت تستعير المتاع وتجحده، ورفع أمرها إلى الرسول الكريم، فطلب من حبِّه وابن حبِّه أسامة بن زيد أن يشفع فيها، فماذا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وبم رد على هذه الشفاعة السيئة، والمحاماة على الإثم والعدوان؟

عن عائشة رضي الله عنها قالت:"إن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟"، ثم قام فاختطب، ثم قال:"إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد! وأيُمُ الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها"."

لبعض الحكام أساليب غريبة، وطرق مريبة، في حجب بعض القضايا التي يهمهم أمر أصحابها، ومن الحيلولة بينهم وبين المثول أمام القضاء، فأضحت الأحكام تقام فقط وتنفذ على الضعفاء والفقراء، ويعفى من ذلك الخاصة، وأخس من ذلك وأخطر أن يطلب من بعض القضاة أن يعيدوا النظر وأن يغيروا الحكم إذا كان المحكوم عليه ممن يهمهم أمره ويعنيهم شأنه، وأخطر من ذلك وأشد استجابة بعض القضاة لهذا الطلب حرصًا على منصبه وخوفًا من عزله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

نماذج من أعيان أقضيته وأحكامه

لقد شهد العلماء لابن بشير بالعدل، والنزاهة، والصدق، والصرامة، والتجرد، وعدم الخوف من الملامة في الحق، ودون المؤرخون عددًا من قضاياه الفريدة، ومواقفه النبيلة، من ذلك:

1.حكمه على الوزير ابن فطيس في حق ثبت عنده، دون أن يعرِّفه بالشهود عليه

قال ابن وضاح: حكم ابن بشير على ابن فطيس الوزير في حق ثبت عنده، دون أن يعرَّفه بالشهود عليه، فشكا ابن فطيس ذلك إلى الأمير، وتظلم منه، وأومأ إلى ابن بشير بذلك، وذكر شكوى ابن فطيس من إمضائه الحكم عليه دون إعذار، وهو حق له بإجماع أهل العلم، فكتب إليه ابن بشير: ليس ابن فطيس ممن يُعرَّف بمن شهد عليه، لأنه إذا لم يجد سبيلًا إلى تجريحهم لم يتحرَّج عن أذاهم، فيَدَعُون الشهادة هم ومن ائتسى بهم، ويضيع أمر الناس.

2.حكمه لمدَّعٍ على الأمير الحكم

قال أحمد بن خالد: كان أولى ما أنفذه ابن بشير من نافذ أحكامه التسجيل على الأمير الحكم في"أرُجي القنطرة"بباب قرطبة، إذ ثبت عنده حق مدعيها، ولم يكن عند الأمير مدفع، فسجل فيها وأشهد على نفسه، فما مضت مديدة حتى ابتاعها ابتياعًا صحيحًا، فسُرَّ بذلك الحاكم، وجعل يقول: رحم الله ابن بشير، فقد أحسن فيما فعل بنا على كره منا، إذ كان في أيدينا شيء مشتبه فصحَّح ملكنا له.

3.رد ابن بشير لشهادة الأمير الحكم لصالح عمه سعيد الخير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت