إلى أن قال: وإنما وقعت هذه المحنة لغلبة الحس، وهو أنه ما رأى شيئًا إلا مفعولًا).
ثانيًا: في العبادات، كالطهارة والصلاة وغيرهما
من المجالات التي استحوذ بها الشيطان على بعض بني آدم الوسوسة في الطهارة والصلاة ونحوهما، فهذا من أوسع المجالات ولوجًا للشيطان في نفوس الضعفاء ممن لم يجد لهم مدخلًا غيره.
قال ابن الجوزي تحت باب:"ذكر تلبيس إبليس على العباد في العبادات": (اعلم أن الباب الأعظم الذي يدخل منه إبليس على الناس هو الجهل، فهو يدخل منه على الجهال بأمان، وأما العالم فلا يدخل عليه إلا مسارقة، وقد لبَّس إبليس على كثير من المتعبدين بقلة علمهم، لأن جمهورهم يشتغل بالتعبد ولم يحكم العلم، وقد قال الربيع بن خثيم: تفقه ثم اعتزل) .
ثم أخذ يمثل لذلك:
• ومن ذلك أنه يأمرهم بطول المكث في الخلاء.
• ومنهم من يقوم يمشي ويتنحنح ويرفع قدمًا ويحط أخرى وعنده أنه يستنقي من البول وكلما زاد في هذا نزل البول.
• ومنهم من يلبس عليه في النية، فتراه يقول: أرفع الحدث؛ ثم يقول: أستبيح الصلاة؛ ثم يقول: أرفع الحدث؛ وسبب هذا التلبيس الجهل بالشرع لأن النية بالقلب لا باللفظ.
• ومنهم من يلبس عليه بالنظر في الماء المتوضأ به، فيقول: من أين لك انه طاهر؛ وفتوى يكفيه بأن أصل الماء الطهارة، فلا يترك الأصل بالاحتمال.
• ومنهم من يلبس عليه بكثرة استعمال الماء.. وربما أطال الوضوء ففات وقت الصلاة، أوفات أوله وهو فضيلة، أوفاتته الجماعة.
التحذير من الإسراف والغلو في الوضوء والغسل
وردت أحاديث كثيرة وآثار عديدة تنهى وتحذر من الإسراف في الماء، منها:
1.ما صحَّ عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ، فقال:"ما هذا السرف يا سعد؟ قال: أفي الوضوء سرف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهر جار".
2.وعن أبَيّ يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم:"للوضوء شيطان يقال له الولهان فاتقوه"، وفي رواية:"فاحذروه".
3.سمع عبد الله بن مغفل ابنه يقول: اللهم إني أسألك الفردوس، واسألك.. فقال عبد الله:"سل الله الجنة وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سيكون في هذه الامة قوم يعتدون في الدعاء والطهور".
4.وعن الحسن رحمه الله قال: شيطان الوضوء يدعى الولهان يضحك بالناس في الوضوء.
5.وكان الحسن يعرِّض بابن سيرين، يقول: يتوضأ أحدُهم بقربة ويغتسل بمزادة صبًا صبًا، ودلكًا دلكًا، تعذيبًا لأنفسهم، وخلافًا لسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.
6.روي عن أبي حازم التابعي الجليل رحمه الله أنه دخل المسجد فوسوس إليه إبليس أنك تصلي بغير وضوء، فقال: ما بلغ نصحك إلى هذا.
7.وعن عثمان بن أبي العاص قال:"قلتُ: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها عليَّ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه ثلاثًا واتفل عن يسارك؛ ففعلت ذلك فأذهبه الله عني".
8.وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:"لا تشددوا على أنفسكم، فيشدِّد الله عليكم، فإن قومًا شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديورات:"ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم"."
9.وقال أبوالوفاء بن عقيل رحمه الله: أجل محصول عند العقلاء الوقت، وأقل متعبد به الماء، وقد قال صلى الله عليه وسلم: صبوا على بول الأعرابي ذنوبًا من الماء، وقال في المني: أمطه عنك بإذخرة، وقال في الحذاء طهوره بأن يدلك بالأرض، وفي ذيل المرأة يطهره ما بعده، وقال: يغسل بول الجارية وينضح بول الغلام، وكان يحمل بنت أبي العاص بن الربيع في الصلاة، ونهى الراعي عن إعلام السائل له عن الماء وما يرده، وقال: ما أبقته لنا طهور، وقال: يا صاحب الماء لا تخبره.
10.قال سعيد بن المسيب رحمه الله: إني لأستنجي من كوز الحُب وأتوضأ، وأفضل منه لأهلي.
11.وقال أحمد رحمه الله: من فقه الرجل قلة ولوعه بالماء.
12.وقال المروزي: وضأت أبا عبدالله بالعسكر، فسترته من الناس، لئلا يقولوا: إنه لا يحسن الوضوء، وكان أحمد يتوضأ فلا يكاد يَبُلُّ الثرى.