فهرس الكتاب
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:(ومن كيده الذي بلغ به من الجهل ما بلغ، الوسواس الذي كادهم به في أمر الطهارة والصلاة عند عقد النية، حتى ألقاهم في الآصار والأغلال، وأخرجهم من اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخيل إلى أحدهم أن ما جاءت به السنة لا يكفي حتى يضم إليه غيره، فجمع لهم بين هذا الظن الفاسد، والتعب الحاضر، وبطلان الأجر أوتنقيصه، ولا ريب أن الشيطان هو الداعي إلى الوسواس، فأهله قد أطاعوه ولبوا دعوته، واتبعوا أمره، ورغبوا عن اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريقته، حتى إن أحدهم يرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم أواغتسل كاغتساله لم يطهر ولم يرتفع حدثه، ولولا العذر بالجهل لكان هذا مشاقة للرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد.. ويغتسل بالصاع، والموسوس يرى أن ذلك القدر لا يكفيه لغسل يديه، وصحَّ أنه توضأ مرة مرة، ولم يزد على ثلاث، بل أخبر أن من زاد عليها فقد أساء وتعدى وظلم، فالموسوس مسيء متعدٍ ظالم بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يتقرب إلى الله بما هو مسيء به متعدٍ فيه لحدوده؟
إلى أن قال:
فهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي من رغب عنه فقد رغب عن سنته جواز الاغتسال من الحياض والآنية، وإن كانت ناقصة غير فائضة، ومن انتظر الحوض حتى يفيض ثم استعمله وحده ولم يمكن أحدًا أن يشاركه في استعماله فهو مبتدع مخالف للشريعة.
قال شيخنا - ابن تيمية: ويستحق التعزير البليغ الذي يزجره وأمثاله عن أن يشرعوا في دين الله ما لم يأذن به الله، ويعبدوا الله بالبدع لا بالاتباع.
ودلت هذه السن الصحيحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا يكثرون صب الماء، ومضى على هذا التابعون لهم بإحسان).
13.وقال البخاري: وكره أهل العلم الإسراف فيه - يعني الوضوء - وأن يجاوزوا فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
14.وقال ابن عمر:"إسباغ الوضوء الإنقاء".
15.وقال أبي بن كعب رضي الله عنه:"عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله عز وجل فاقشعرَّ جلده من خشية الله إلا تحاتت عنه خطاياه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها، وإن اقتصادًا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل ولا سنة، فاحرصوا إذا كانت أعمالكم اقتصادًا أن تكون على منهاج الأنبياء وسنتهم".
ثالثًا: في تزيين المعاصي
من مداخل الشيطان إلى بعض العباد الوسوسة بالذنوب والآثام وتزيينها لهم وتحسينها في قلوبهم، فلا ينفكون عن ذلك حتى يواقعوها.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله:(فإن قوله:"من شر الوسواس"يعم كل شره ووصفه بأعظم صفاته، وأشدها هجرًا، وأقواها تأثيرًا، وأعمها فسادًا، وهي الوسوسة التي هي مبادئ الإرادة، فإن القلب يكون فارغًا من الشر والمعصية فيوسوس إليه ويخطر الذنب بباله فيصوره لنفسه ويمنيه ويشهيه فيصير شهوة، ويزينها له ويحسنها ويخيلها له في خيال تميل نفسه إليه، فيصير إرادة، ثم لا يزال يمثل ويخيل ويمني ويشهي، وينسي علمه بضررها، ويطوي عنه سوء عاقبتها، فيحول بينه وبين مطالعته، فلا يرى إلا صورة المعصية والتذاذه بها فقط، وينسى ما وراء ذلك، فتصير الإرادة عزيمة جازمة، فيشتد الحرص عليها من القلب، فيبعث الجنود في الطلب، فيبعث الشيطان معهم مددًا لهم وعونًا، فإن فتروا حركهم، وإن ونوا أزعجهم، كما قال الله تعالى:"ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزًا"، أي تزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا، كلما فتروا وونوا أزعجتهم الشياطين وأزتهم وأثارتهم، فلا تزال بالعبد تقوده إلى الذنب، وتنظم شمل الاجتماع بألطف حيلة وأتم مكيدة، قد رضي لنفسه بالقيادة لفجرة بني آدم، وهو الذي استكبر وأبى أن يسجد لأبيهم، فلم تمنعه النخوة والكبر أن يصير قوادًا لكل من عصى الله، كما قال بعضهم:
عجبتُ من إبليس في تيهه وقبح ما أظهر من نخوته
تاه على آدم في سجده وصار قوادًا لذريته
فأصل كل معصية وبلاء إنما هو المعصية) .
رابعًا: النسيان
ومن وسائل وسوسة الشيطان للإنسان أن ينسيه ما يريد تذكره ويحرص عليه، قال تعالى على لسان غلام موسى:"وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره"، ولهذا يضاف النسيان إليه.
خطورة الوسوسة ومضارها
للوسوسة مضار كثيرة ومفاسد عظيمة على الموسوس في سلوكه وعبادته، نشير إلى أخطرها، وهي:
1.طاعة الشيطان.
2.ضياع الوقت وهو أثمن ما يملكه الإنسان.
3.التقصير في العبادة.
4.مخالفة السنة.
5.من الوسوسة ما يفسد العبادة كالصلاة.
6.الإسراف في الماء وهو من أجل النعم وأعظمها.
7.إغراء الناس بذمه والوقيعة فيه.
8.الموسوس يشغل ذمته بالزائد عن الحاجة، ويقصر عما أوجبه الله ورسوله عليه.