فالاحتياط المطلوب هو ما يكون موافقًا للسنة، لا ما يكون مخالفًا لها، وقائمًا على أنقاضها.
قال ابن تيمية: (والاحتياط حسن، ما لم يفض بصاحبه إلى مخالفة السنة، فإذا أفضى إلى ذلك فالاحتياط ترك هذا الاحتياط) .
2.وبما كان يفعله أبوهريرة، حيث كان إذا توضأ شرع في العَضَد، وإذا غسل رجليه أشرع في الساقين، وبأن ابن عمر كان يغسل داخل عينيه في الطهارة، ونحو ذلك.
وفعل الصحابي إذا خالفه غيره فليس بحجة، فكيف إذا خالف السنة، وعمل الخلفاء الراشدين؟ فلا حجة لأحد في مخالفة السنة كائنًا من كان.
بل كان ابن عمر ينهى عن الاقتداء به في ذلك، قائلًا:"إن بي وسواسًا فلا تقتدوا بي".
وكذلك كان ينبه على ذلك سفيان الثوري رحمه الله.
3.دعواهم أن التشدد خير من التقصير والتفريط، ونقول: كل من الإفراط والتفريط مذموم، إذ الحسنة بين سيئتين، ودين الله بين الغالي والجافي.
قال تعالى:"ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط"، وقال:"وكلوا واشربوا ولا تسرفوا".
عقوبة المتنطعين
عقوبة الموسوسين الزجر والتأديب بما يناسب جرمهم، حتى ينتهوا عن تلاعبهم بهذا الدين، وابتداعهم فيه ما لم ينزل به سلطانًا بالقول والفعل.
فقد صح عنه أنه قال:"ألا هلك المتنطعون، ألا هلك المتنطعون، ألا هلك المتنطعون".
وقال ابن مسعود:"والله الذي لا إله غيره، مارأيتُ أحدًا كان أشد على المتنطعين من رسول الله، ولا رأيتُ بعده أحدًا كان أشد على المتنطعين من أبي بكر، وإني لأظن عمر رضي الله عنه كان أشد أهل الأرض خوفًا عليهم".
وكان عليه السلام يبغض المتعمقين، حتى أنه لما واصل بهم ورأى الهلال قال:"لو تأخر الهلال لواصلتُ وصالًا يدع المتعمقون تعمقهم"، كالمنكل بهم.
من نوادر الموسوسين
قال ابن القيم: (ثم إن طائفة من الموسوسين قد تحقق منهم طاعة الشيطان، حتى اتصفوا بوسوسته، وقبلوا قوله، وأطاعوه، ورغبوا عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله عليه الصلاة والسلام، أوصلى كصلاته، فوضوؤه باطل، وصلاته غير صحيحة، ويرى أنه إذا فعل مثل فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام في مواكلة الصبيان، وأكل طعام عامة المسلمين، أنه قد صار نجسًا، يجب عليه تسبيع يده وفمه، كما لو ولغ فيهما كلب أوبال عليهما هر.
ثم إنه بلغ من استيلاء إبليس عليهم أنهم أجابوه إلى ما يشبه الجنون، ويقارب مذهب السوفسطائية الذين ينكرون حقائق الموجودات، والأمور المحسوسات، وعلم الإنسان بحال نفسه من الأمور الضروريات اليقينيات، وهؤلاء يغسل أحدهم عضوه غسلًا يشاهده ببصره، ويكبر ويقرأ بلسانه بحيث تسمعه أذناه، ويعلمه بقلبه، بل يعلمه غيره منه ويتيقنه، ثم يشك: هل فعل ذلك أم لا؟ وكذلك يشككه الشيطان في نيته وقصده التي يعلمها من نفسه يقينًا، بل يعلمها غيره منه بقرائن أحواله، ومع هذا يقبل قول إبليس في أنه ما نوى الصلاة ولا أرادها، مكابرة منه لعيانه، وجحدًا ليقين نفسه، حتى تراه متلددًا متحيرًا، كأنه يعالج شيئًا يجتذبه، أويجد شيئًا في باطنه يستخرجه، كل ذلك مبالغة في طاعة إبليس، وقبول وسوسته، ومن انتهت طاعته لإبليس إلى هذا الحد فقد بلغ النهاية في طاعته.
ثم إنه يقبل قوله في تعذيب نفسه، ويطيعه في الإضرار بجسده، تارة بالغوص في الماء البارد، وتارة بكثرة استعماله وإطالة العرك، وربما فتح عينيه في الماء البارد، وغسل داخلهما حتى يضر ببصره، وربما أفضى إلى كشف عورته للناس، وربما صار إلى حال يسخر منه الصبيان ويستهزئ به من يراه.
• قلت: ذكر أبو الفرج بن الجوزي عن أبي الوفاء بن عقيل أن رجلًا قال له: أنغمس في الماء مرارًا كثيرة وأشكُّ، هل صحَّ لي الغسل أم لا، فما ترى في ذلك؟ فقال له الشيخ: اذهب، فقط سقطت عنك الصلاة؛ قال: وكيف؟ قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"رُفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ"، ومن ينغمس في الماء مرارًا ويشك هل أصابه الماء أم لا، فهو مجنون.
قال: وربما شغله بوسواسه حتى تفوته الجماعة، وربما فاته الوقت، ويشغله بوسوسته في النية حتى تفوته التكبيرة الأولى، وربما فوت عليه ركعة أوأكثر، ومنهم من يحلف أنه لا يزيد على هذا، ثم يكذب.
• قلت: وحكى لي من أثق به عن موسوس عظيم رأيته يكرر عقد النية مرارًا عديدة فيشق على المأمومين مشقة كبيرة، فعرض له أن حلف بالطلاق أنه لا يزيد على تلك المرة، فلم يدعه إبليس حتى زاد، ففرق بينه وبين امرأته، فأصابه لذلك غم شديد، وأقاما متفرقين دهرًا طويلًا، حتى تزوجت تلك المرأة برجل آخر، وجاءه منها ولد، ثم إنه حنث في يمين حلفها ففرق بينهما، وردت إلى الأول بعد أن كاد يتلف لمفارقتها.