الدليل العمدة على جواز الصلاة على الغائب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي عندما مات وأوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، وهي منقولة بطرق كثيرة صحيحة، وهي:
1.عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر عليه أربع تكبيرات، وقال:"استغفروا لأخيكم".
2.وعن جابر رضي الله عنه:"أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي فكبر أربعًا".
3.وعن جابر رضي الله عنه أيضًا:"أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي فكنتُ في الصف الثاني أوالثالث".
4.وفي رواية عن جابر عند البخاري:"قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش، فهلموا فصلوا عليه"، فصففنا، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم ونحن صفوف"."
5.وفي رواية لمسلم:"إن أخًا لكم قد مات، فقوموا فصلوا عليه"، فقمنا فصففنا صفين.
6.وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن أخًا لكم"، وفي لفظ:"إن أخاكم قد مات، فقوموا فصلوا عليه".
هذا هو الدليل العمدة على الصلاة على الغائب، صلاته صلى الله عليه وسلم على النجاشي، ولم يثبت أنه صلى على غائب غيره، إلا في خبر ساقط لا تقوم به حجة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إلا حديث ساقط روي فيه أنه صلى على معاوية بن معاوية الليثي في غزوة تبوك، لكثرة قراءته"قل هو الله أحد"، وهو حديث لا يحتج به) .
قال محقق جامع المسائل عن هذا الحديث: (جمع الحافظ ابن حجر طرقه في الإصابة وقواه بالنظر إلى مجموع الطرق في الفتح، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: أسانيد هذه الأحاديث ليست بالقوية، ولو أنها في الأحكام لم يكن في شيء منها حجة) .
قلت: الحديث الواهي لا يحتج به لا في العقائد والأحكام ولا في غيرها، ومَنْ رُويَ عنه من السلف تجويز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال يعنون بذلك الحديث الحسن، حيث لم تقسم الأحاديث إلى صحيح وحسن وضعيف إلا بعد الترمذي، فهو أول من قسمها هذا التقسيم، وهو من تلاميذ تلميذ الإمام أحمد.
وحتى الذين جوَّزوا العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال كابن الصلاح والنووي اشترطوا لذلك شروطًا،وهي كما قال النووي في الأذكار:
• ... أن لا يكون ضعيفًا شديد الضعف.
• ... أن لا يكون فيه أحد الكذابين.
• ... أن لا يعتقد عند العمل به أن الرسول قد قاله.
• ... لا يعمل به من يُقتدى به.
حجج المانعين للصلاة على الغائب
احتج المانعون للصلاة على الغائب في الجملة - صُلي عليه أم لم يُصَلَّ عليه - بحجج ضعيفة، وتأولوا صلاته صلى الله عليه وسلم على النجاشي بتأويلات متعسفة.
من تلك الحجج:
1.أنه لم يصح أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى على غائب غير النجاشي:(وقد مات على عهده خلائق من أصحابه في غيبته فلم يصل عليهم، وكذلك لم يصل المسلمون الغائبون عنه في مكة والطائف واليمن وغيرها، ولا صلوا على أبي بكر وعمر وغيرهما في الأمصار البعيدة.
ولهذا تنازع العلماء، فقالت طائفة: لا يصلى على الغائب، إذ لو كان سنة لكان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك، ولكان المسلمون يعملون بذلك في محياه ومماته).
2.أن النجاشي كان بين قوم نصارى كفار، فلم يصلِّ عليه أحد، ولذلك جازت الصلاة عليه.
ويرد على ذلك بأن جمهور المانعين للصلاة على الغائب لا يميزون بين من صُلي عليه ومن لم يُصل عليه.
3.أن النجاشي رفع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فكان بين يديه أوطُويت له الأرض فصلى عليه.
4.صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي هذه من خصوصياته.
أقوال العلماء في ذلك
قال النووي رحمه الله عن مذاهب العلماء في الصلاة على الغائب عن البلد:(مذهبنا جوازها، ومنعها أبوحنيفة، ودليلنا حديث النجاشي وهو صحيح لا مطعن فيه، وليس لهم عنه جواب صحيح، بل ذكروا فيه خيالات أجاب عنها أصحابنا بأجوبة مشهورة، منها قولهم: إنه طويت له الأرض فصار بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وجوابه أنه لو فتح هذا الباب لم يبق وثوق بشيء من ظواهر الشرع لاحتمال انخراق العادة في تلك القضية، مع أنه لو كان شيء من ذلك لتوفرت الدواعي بنقله.
أما حديث العلاء بن زيدل ويقال بن زيد عن أنس أنهم كانوا في تبوك، فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بموت معاوية بن معاوية في ذلك اليوم، وأنه قد نزل عليه سبعون ألف ملك يصلون عليه، فطويت الأرض للنبي صلى الله عليه وسلم حتى ذهب فصلى عليه ثم رجع، فهو حديث ضعيف ضعفه الحفاظ، منهم البخاري في تاريخه، والبيهقي، واتفقوا على ضعف العلاء هذا، وأنه منكر الحديث).