الحمد لله الذي أمر بحفظ اللسان والأيمان، فقال:"ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد"، وقال:"واحفظوا أيمانكم"، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، القائل:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت"، ولذلك ذم الله الخلاف، ونهى وحذر عن الإفراط في الحلف، فقال:"ولا تطع كل حلاف مهين"، لأن الإكثار والإفراط في الحلف مدعاة إلى الكذب.
من رحمة الله بهذه الأمة أنه رفع عنها كثيرًا من الأغلال والآصار التي كانت على غيرها من الأمم، ورفع عنها الحرج، ومن ذلك أنه لم يؤاخذنا بلغو الأيمان، ولكنه يؤاخذنا بما عزمت وعقدت عليه قلوبنا، فقال:"لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان"، وما عقدنا عليه الأيمان جعل لنا مخرجًا منه بالكفارات، التي جعلها على التخيير:"فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم".
وبعد..
فهذا بحث عن الأيمان، عن تعريفها، وحكمها، وما يُكفّر منها وما لا يكفر، وعن اليمين الغموس، وعن الكفارة، وبيانها، وما يتعلق بذلك.
والله أسأل أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، وموافقًا لسنة سيد المرسلين، ونافعًا لمن اطلع عليه من إخواني المسلمين، ومثقلًا لميزان كاتبه يوم تطيش الموازين.
أقول وبالله التوفيق:
أولًا: الأيمان
تعريف الأيمان ودليل مشروعيتها
الأيمان بفتح الهمزة جمع يمين، قيل مأخوذ من اليمن وهو البركة، لأن اليمين تحفظ بها الحقوق، وقيل مأخوذ من اليد اليمين، لأنهم كانوا إذا حلفوا وضع أحدهم يمينه في يمين صاحبه، والله أعلم، واليمين تذكر وتؤنث، وتجمع على أيمان وأيمن.
الأيمان مشروعة، ودليل مشروعيتها الكتاب، والسنة، والإجماع، فمن الكتاب قوله تعالى:"لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم"الآية، وقوله تعالى:"ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلًا"، وقد أمر الله نبيه بالحلف في ثلاثة مواضع، فقال:"ويستنبؤنك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين"، وقال:"قل بلى وربي لتأتينكم"، وقال:"قل بلى وربي لتبعثن".
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم:"إني والله، إن شاء الله، لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها".
ولهذا أجمعت الأمة على مشروعيتها وثبوت حكمها.
حكم الأيمان
يختلف حكم الأيمان باختلاف المحلوف عليه، ولهذا فإنها تعتريها الأحكام الخمسة، فقد تكون:
1.واجبة: إذا كان الغرض منها تنجية وتخليص نفسه أومسلم معصوم الدم من الهلاك ، نحو أن تتوجه عليه أيمان القَسَامَة، فيحلف ليبرئ ذمته من دم المقتول بساحته أومحلته، أويحلف ليخلص مسلمًا من القتل، فقد روي عن سويد بن حنظلة قال:"خرجنا نريد النبي صلى الله عليه وسلم، ومعنا وائل ابن حُجر، فأخذه عدو له، فتحرج القوم أن يحلفوا، وحلفت أنا أنه أخي، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"صدقت، المسلم أخو المسلم"، وكذلك يجب الحلف لمن تعينت عليه شهادة أمام الحاكم ليقول الحق، ففي مثل هذين الحالين فالأيمان تجب على من تعينت عليه."
2.مندوبة: ويندب الحلف للإصلاح بين متخاصمين، أولإزالة حقد، ودفع شر عن بعض المسلمين.
3.مباحة: نحو الحلف على فعل أي شيء مباح أوتركه، نحو من حلف أن كل ما في البخاري صحيح ونحو ذلك.
ويدخل في ذلك الحلف على إثبات حق لك لدى الحاكم أوالقاضي، وتحرُّجُ البعض عن الحلف لنيل حقه في غير محله، وفيه ضياع للحقوق، وربما سوء ظن بالذي أحجم عن الحلف؛ فإن كنت صادقًا ومتيقنًا أن الحق معك فلا تتحرج من اليمين، ولو كان على المصحف، وإن كان خلاف الأولى، فكم من حقوق ضاعت بسبب تحرج البعض عن الحلف، وكم من ظلمة تجاسرت على حقوق الآخرين.