قال ابن قدامة رحمه الله: (فأما الحلف على الحقوق عند الحاكم ، ففيه وجهان، أحدهما أن تركه أولى من فعله فيكون مكروهًا ، ذكر ذلك أصحابنا وأصحاب الشافعي، لما روي أن عثمان والمقداد تحاكما إلى عمر، في مال استقرضه المقداد، فجعل عمرُ اليمين على المقداد، فردها على عثمانَ، فقال عمر: لقد أنصفك. فأخذ عثمان ما أعطاه المقداد ولم يحلف، فقال: خفت أن يوافق قدرٌ بلاءً فيقال: يمين عثمان. والثاني أنه مباح فعله كتركه، لأن الله أمر نبيه بالحلف في ثلاثة مواضع، وروى محمد بن كعب القرظي أن عمر قال على المنبر، وفي يده عصاه:"أيها الناس لا تمنعكم اليمينُ عن حقوقكم، فوالذي نفسي بيده إن في يدي لعصا". وروى عمر بن شيبة في كتاب"قضاة البصرة"بإسناده عن الشعبي: أن عمر وأبيًا احتكما إلى زيد في نخل ادعاه أبي ، فتوجهت اليمين على عمر ، فقال زيد: أعف أمير المؤمنين. فقال عمر: ولم يعفي أمير المؤمنين ؟ إن عرفت شيئًا استحققته بيميني، وإلا تركته، والله الذي لا إله إلا هو، إن النخل لنخلي، وما لأبي فيه حق. فلما خرجا وهب النخل لأبي. فقيل له: يا أمير المؤمنين هلا كان هذا قبل اليمين؟ قال: خفت أن لا أحلف، فلا يحلف الناس على حقوقهم بعدي فيكون سنة. ولأنه حَلِفُ صدق على حق حق، فأشبه الحلف عند غير الحاكم) .
قلت: جزى الله الإسلامَ عن عمر كل خير، فقد كان عمر ناصحًا أمينًا لهذه الأمة، وما فعله هو الراجح، وهو الحق، وهو السنة، وما فعله عثمان رضي الله عنه هو من باب الفضل والورع، وهو أهل لذلك كله، خاصة وكان الدين في النفوس حيًا، وكانت الضمائر متقدة ، أما الآن فقد ضعف الوازع الديني، وتجاسر كثير من الناس على حقوق الآخرين، بحيث يحلف المرء اليوم على حقه ثم لا ينله ، بسبب بعض الحيل والثغرات يستغلها نفر من المحامين وغيرهم.
4.مكروهة: وهو أن يحلف على فعل مكروه أوترك مندوب، ومن أمثلة الحلف المكروه الحلف في البيع والشراء ، لقوله صلى الله عليه وسلم:"الحلف منفق للسلعة ، ممحق للبركة".
5.حرام: وهو الحلف الكاذب، وهذا من الحرام البين، ومن الكبائر الموبقة، قال تعالى:"ويحلفون على الله الكذب وهم يعلمون"، وقال:"إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولهم عذاب أليم".
وقال صلى الله عليه وسلم:"من حلف يمينًا فاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي اللهَ وهو عليه غضبان".
ومن هذا القسم الحلف على ترك واجب أو فعل محرم.
الأيمان التي تكفر، والتي لا تكفر
الأيمان أربعة أقسام، هي:
1.قسم لا يحتاج إلى كفارة، وهو لغو الأيمان، مثل قول الرجل: لا والله، وبلى والله. أويحلف على شيء وهو يظن أنه حق أوأنه موجود وهو على غير بذلك، فهو اللغو معفو عنه، قال تعالى:"لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم".
2.قسم لا تمحوه الكفارة، وهي اليمين الفاجر الكاذبة، ولهذا قال العلماء: يمينان لا تكفران، وهما قول الرجل: والله ما فعلت كذا وكذا، وقد فعل؛ ووالله قد فعلت كذا وكذا، ولم يفعل؛ فهو يحلف ويعلم أنه كاذب في حلفه.
3.وقسم اليمين الغموس ، وسميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في النار، وهو أن يحلف ليستقطع حقًا من حقوق الناس له أو لغيره فقد يبيع الإنسان دينه بدنيا غيره، وهي يمين المكر والخديعة، والكذب، وهي لا تنعقد ولا كفارة لها إلا بالتوبة الصادقة، وبرد الحقوق إلى أصحابها.
عن ابن مسعود يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم:"من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان".
وعن أبي أمامة رضي الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم:"من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة. قال رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا؟ قال: وإن كان قضيبًا من أراك".
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"ما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله. قال: ثم ماذا؟ قال عقوق الوالدين. قال: ثم ماذا؟ قال: اليمين الغموس. قلت: ما الغموس؟ قال: التي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب".
فاحذر أخي الكريم أن تبيع آخرتك بدنياك أو دنيا غيرك، واحذر الكذب فإن المؤمن يطبع على كل شيء إلا على الكذب.
4.وقسم تمحوه الكفارة، نحو قول الرجل:"والله لا أفعل كذا وكذا"ثم يفعل، وقوله:"والله لأفعلن كذا وكذا"ثم لا يفعل، وهذه اليمين تنعقد وشرعت فيها الكفارة.
المحلوف به الذي إذا حنث عليه الكفارة
"من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت"، إذ لا يصح الحلف بأي شيء من مخلوقات الله عز وجل، أما الله تجلت قدرته وتقدست أسماؤه فله أن يحلف بما شاء من مخلوقاته.
فيجوز للحالف أن يحلف بأي اسم من أسماء الله عز وجل، أوبأي صفة من صفاته، نحو: الله، الرحمن، الرحيم، وعزة الله وقدرته.