واعلم أخي الكريم أن حلفك بالله كاذبًا خير من حلفك بغير الله صادقاَ، وتذكر قوله صلى الله عليه وسلم:"من حلف بغير الله فقد أشرك"، فالحذر كل الحذر من الحلف بالآباء، والأمهات، وبالأولياء والصالحين، والأنبياء والمرسلين، فكل ذلك ممنوع محذر منه، لقوله صلى الله عليه وسلم:"من قال واللات فليقل لا إله إلا الله".
قال ابن قدامة رحمه الله:(أجمع أهل العلم على أن من حلف بالله عز وجل، فقال: والله، أوبالله، أوتالله، فحنث، أن عليه الكفارة، قال ابن المنذر: وكان مالك، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، يقولون: من حلف باسم من أسماء الله تعالى فحنث فعليه الكفارة، ولا نعلم في هذا خلافًا إذا كان من أسماء الله عز وجل التي لا يسمى بها سواه؛ وأسماء الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام.
ثم فصل ذلك، وملخصها:
1.أحدها ما لا يسمى به غير الله، نحو الرحمن.
2.الثاني ما يسمى به غير الله مجازًا، نحو: الخالق، الرازق، الرب.
3.الثالث ما يسمى به الله تعالى وغيره، نحو: الحي، العالم، الموجود، الكريم.
فهذا إن قصد به اليمين باسم الله تعالى كان يمينًا، وإلا فلا.
ثم قال: القسم بصفات الله تعالى، كالقسم بأسمائه وصفاته، تنقسم أيضًا ثلاثة أقسام:
ثم فصل فيها، نلخصها في الآتي:
أحدها: ما هو صفات لذات الله تعالى لا يحتمل غيرها، نحو وعزة الله، وعظمته، وجلاله، وكبريائه.
والثاني: ما هو صفة للذات ويوصف بها غيره مجازًا، كعلم الله وقدرة الله.
الثالث: ما لا ينصرف بإطلاقه إلى صفة الله تعالى، لكن ينصرف بإضافته إلى الله، نحو: العهد، والميثاق، وحكم هذا كحكم القسم الثالث في الأسماء.
إلى أن قال: وإن قال: لعمر الله ، فهي يمين موجبة للكفارة، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: إن قصد اليمين، فهي يمين، وإلا فلا) .
وكذلك إن قال: وأيم الله، وأيمن الله.
الحلف بالقرآن أو بآية منه
ذهب في ذلك أهل العلم مذهبين هما
1.الحلف بالقرآن، أوبعض آيه وسوره، أوبكلام الله، يمين منعقدة تجب بها الكفارة إذا حنث، وهذا مذهب العامة من أهل العلم: ابن مسعود، والحسن، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأبو عبيد.
2.ليس بيمين، ولا تجب فيه كفارة.
الحلف بالمصحف
قال أحمد وإسحاق يمين، وكان قتادة يحلف بالمصحف.
وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليه.
قول الرجل هو يهودي، أونصراني، أومجوسي، أوبريء من الإسلام، أومن النبي صلى الله عليه وسلم
من قال ذلك ذهب فيه أهل العلم مذهبين إذا حنث
1.عليه الكفارة، وهو قول عطاء، وطاوس، والحسن، والثوري، والشعبي، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وقد روي ذلك عن زيد بن ثابت.
2.لا كفارة عليه، وهذا مذهب مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، والليث، وأبي ثور، وابن المنذر.
والراجح ما ذهب إليه مالك والشافعي ومن وافقهما، لأن ذلك ليس حلفًا بالله ولا باسم من أسمائه ولا صفة من صفاته، والله أعلم.
الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم
لا تنعقد اليمين بالحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو القائل:"من كان حالفًا فليحلف بالله أوليصمت"، وهذا ما عليه العامة من أهل العلم، منهم أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، ورواية عن أحمد؛ وانفرد أحمد في رواية عنه بأن من حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم انعقدت يمينه، ويرد ما ذهب إليه أحمد الأخبار الصحاح.
قال القرطبي رحمه الله: (لا تنعقد اليمين بغير الله تعالى وأسمائه وصفاته. وقال أحمد بن حنبل: إذا حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم انعقدت يمينه، لأنه حلف بما لا يتم الإيمان إلا به، فتلزمه الكفارة، كما لو حلف بالله، وهذا يرده ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وعمر يحلف بأبيه، فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت"، وهذا حصر في عدم الحلف بكل شيء سوى الله تعالى وأسمائه وصفاته كما ذكرنا. ومما يحقق ذلك ما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون"، ثم ينتقض عليه ـ على أحمد ـ بمن قال: وآدم، وإبراهيم، فإنه لا كفارة عليه، وقد حلف بما لا يتم الإيمان إلا به) .
الاستثناء في الحلف
من حلف واستثنى وكان استثناؤه متصلًا بيمينه ثم حنث فلا كفارة، أما إن فصل بين حلفه واستثنائه فعليه الكفارة إن حنث، إلا عند ابن عباس ومن وافقه حيث أجاز الاستثناء ولو بعد حين.
ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"من حلف وقال: إن شاء الله، فقد حنث"، ولأبي داود:"من حلف، فاستثنى، فإن شاء رجع، وإن شاء ترك"، ولا يكفي الاستثناء بالقلب أوالنية، بل لابد أن يتلفظ به.