فهرس الكتاب
قال القرطبي رحمه الله: (إذا انعقدت اليمين حلتها الكفارة أوالاستثناء. وقال ابن الماجشون: الاستثناء بدل عن الكفارة وليست حلًا لليمين. قال ابن القاسم: هي حل لليمين. وقال ابن العربي: وهو مذهب فقهاء الأمصار وهو الصحيح. وشرطه أن يكون متصلًا منطوقًا به لفظًا، إلى أن قال: وقال ابن عباس: يدرك الاستثناء اليمين بعد سنة، وتابعه على ذلك أبو العالية، والحسن، وتعلق بقوله تعالى:"والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر"الآية، فلما كان بعد عام نزل:"إلا من تاب"، وقال مجاهد: من قال بعد ستين: إن شاء الله أجزأه. وقال سعيد بن جبير: إن استثنى بعد أربعة أشهر أجزأه. وقال طاوس: له أن يستثني ما دام في مجلسه. ثم قال: قال ابن العربي: أما ما تعلق به ابن عباس من الآية فلا متعلق له فيها، لأن الآيتين كانتا متصلتين في علم الله تعالى وفي لوحه، وإنما تأخر نزولها لحكمة) .
ومما يدل على أن الاستثناء إذا تأخر عن اليمين لا قيمة له قوله تعالى لأيوب عليه السلام:"وخذ بيدك ضغثًا فاضرب به ولا تحنث"، وكما قيل: فما الذي يمنعه من أن يقول: قل إن شاء الله!
وقال ابن قدامة:(وجملة ذلك أن الحالف إذا قال: إن شاء الله مع يمينه فهذا يسمى استثناء.. وأنه متى استثنى في يمينه لم يحنث فيها.
إلى أن قال: إذا ثبت هذا ، فإنه يشترط أن يكون الاستثناء متصلًا باليمين بحيث لا يفصل بينهما كلام أجنبي، ولا يسكت بينهما سكوتًا يمكنه الكلام فيه، فأما السكوت لانقطاع نَفَسه، أوصوته، أوعيّ، أوعارض، من عطسة أوشيء غيرها، فلا يمنع صحة الاستثناء، وثبوت حكمه، وبهذا قال مالك، والشافعي، والثوري وأبو عبيد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
إلى أن قال: ويشترط أن يستثني بلسانه، ولا ينفعه الاستثناء بالقلب في قول عامة أهل العلم، منهم الحسن، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وابن المنذر، ولا نعلم لهم مخالفًا).
من استحلف على حق فإن اليمين على نية المستحلف
اليمين في جميع الحالات على نية الحالف، إلا إذا استحلف فهي على نية المستحلف:"يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك"، وفي رواية:"اليمين على نية المستحلِف"بكسر اللام.
قال الإمام النووي رحمه الله:(وهذا الحديث محمول على الحلف باستحلاف القاضي، فإذا ادعى رجل على رجل حقًا فحلّفه القاضي فحلف وورَّى فنوى غير ما نوى القاضي انعقدت يمينه على ما نواه القاضي، ولا تنفعه التورية، وهذا مجمع عليه. ودليله هذا الحديث والإجماع، فأما إذا حلف بغير استحلاف القاضي، وورى تنفعه التورية، ولا يحنث، سواء حلف ابتداء من غير تحليف أوحلفه غير القاضي، وغير نائبه في ذلك، ولا اعتبار بنية المستحلف غير القاضي.
وحاصله أن اليمين على نية الحالف في كل الأحوال إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجهت عليه فتكون على نية المستحلف، وهو مراد الحديث، أما إذا حلف عند القاضي من غير استحلاف القاضي في دعوى فالاعتبار بنية الحالف، وسواء في هذا كله اليمين بالله، أوبالطلاق ، أوبالعتاق، إلا أنه إذا حلفه القاضي بالطلاق، أوبالعتاق تنفعه التورية ويكون الاعتبار بنية الحالف، لأن القاضي ليس له التحليف بالطلاق والعتاق، وإنما يستحلف بالله تعالى.
واعلم أن التورية وإن كان لا يحنث بها فلا يجوز فعلها حيث يبطل بها حق مستحق، وهذا مجمع عليه، هذا تفصيل مذهب الشافعي وأصحابه.
ونقل القاضي عياض عن مالك وأصحابه في ذلك اختلافًا وتفصيلًا، فقال: لا خلاف بين العلماء أن الحالف من غير استحلاف، ومن غير تعلق حق بيمينه له نيته، ويقبل قوله، وأما إذا حلف لغيره في حق أووثيقة متبرعًا، أوبقضاء عليه فلا خلاف أنه يحكم عليه بظاهر يمينه سواء حلف متبرعًا أوباستحلاف. وأما فيما بينه وبين الله تعالى فقيل اليمين على نية المحلوف له، وقيل على نية الحالف، وقيل إن كان مستحلفًا فعلى نية المحلوف له، وإن كان متبرعًا باليمين فعلى نية الحالف، وهذا قول عبد الملك وسحنون، وهو ظاهر قول مالك وابن القاسم، وقيل عكسه، وهي رواية يحيى عن ابن القاسم، وقيل تنفعه فيما لا يقضى به عليه، ويفترق التبرع وغيره فيما يقضى به عليه. وهذا مروي عن ابن القاسم أيضًا. وحكي عن مالك أن ما كان من ذلك على وجه المكر والخديعة فهو فيه آثم حانث ، وما كان على وجه العذر فلا بأس به. وقال ابن حبيب عن مالك: ما كان على وجه المكر والخديعة فله نيته، وما كان في حق فهو على نية المحلوف له. قال القاضي: ولا خلاف في إثم الحالف بما يقع به حق غيره وإن ورى ، والله أعلم).
وخلاصة ما قاله القاضي عياض والإمام النووي أن اليمين على نية الحالف، إلا إذا استحلف المرء على حق وجب عليه فإنها تكون على نية المستحلف له، سواء كان قاضيًا أومن ينوب عنه ، أوصاحب حق، كزوجة تريد نفقتها ونفقة عيالها، أومن له دين على مليّ مماطل.