فهرس الكتاب
أما اليمين لغير صاحب حق سواء كان استحلف أو تبرع به لاعتذار ونحوه، فله أن يوري عن ذلك، وله نيته، بأن يحلف أنه لا يملك مالًا ويعني بذلك في جيبه أو بيته، وقد يكون له مال في مكان آخر، ونحو ذلك، والله أعلم.
من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا فليأت التي هي خير وليكفر عن يمينه
من حلف على حرام أو مكروه أو مباح، ثم رأى غيرها خيرًا منها، فعليه أن يأتي التي هي خير ويكفر عن يمينه، ولا إثم عليه في ذلك، بل الإثم في إصراره على فعل الحرام وامتناعه عن الحلال.
ودليل ذلك ما خرجه مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:".. وإني والله ، إن شاء الله، لا أحلف على يمين ثم أرى خيرًا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي خير".
وقد ورد هذا الحديث بروايات مختلفة مع اتحاد المعنى.
قال الإمام النووي رحمه الله:(في هذه الأحاديث دلالة على من حلف على فعل شيء أو تركه وكان الحنث خيرًا من التمادي على اليمين فحنث فعليه كفارة يمين مع خلاف بين أهل العلم في ذلك.
قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم الإمام رحمه الله فإن حلف باسم الله فهي أيمان منعقدة بالنص والإجماع، وفيها الكفارة إذا حنث، وإذا حلف بما يلتزمه لله كالحلف بالنذر، والظهار، والحرام، الطلاق، والعتاق، مثل أن يقول: إن فعلت كذا فعلي عشر حجج، أوفمالي صدقة، أوعليّ صيام شهر، أوفنسائي طوالق، أوعبيدي أحرار، أويقول: الحل عليه حرام لا أفعل كذا، أوالطلاق يلزمني لا أفعل كذا، أوإلا فعلت كذا، وإن فعلت كذا فنسائي طوالق ، أوعبيدي أحرار، ونحو ذلك ، فهذه الأيمان أيمان المسلمين عند الصحابة وجمهور العلماء، وهي أيمان منعقدة، وقالت طائفة: بل هو من جنس الحلف بالمخلوقات فلا تنعقد، والأول أصح، وهو قول الصحابة، فإن عمر، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم كنوا ينهون عن النوع الأول، وكانوا يأمرون من حلف بالنوع الثاني أن يكفر عن يمينه، ولا ينهونه عن ذلك، فإن هذا من جنس الحلف بالله والنذر لله، وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"كفارة النذر كفارة يمين".
فقول القائل: لله عليّ أن أفعل كذا. إن قصد به اليمين فهو يمين، كما لو قال: لله عليّ كذا، أوإن أقتل فلانًا فعلي كفارة. في مذهب أحمد، وأبي حنيفة، وهو الذي ذكره الخرسانيون في مذهب الشافعي، فالذين قالوا: هذه يمين منعقدة منهم من ألزم الحالف بما التزمه، فألزمه إذا حنث بالنذر، والطلاق، والعتاق، والظهار، والحرام، وهو قول مالك وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة.
ومنهم من فرق بين الطلاق والعتاق، وبين غيرهما، وهو المعروف عن الشافعي، ومنهم من فرق بين الطلاق وغيره، وهو أبو ثور.
والصحيح أن هذه الأيمان كلها فيها كفارة إذا حنث، ولا يلزمه إذا حنث لا نذر، ولا طلاق، ولا عتاق، ولا حرام. وهذا معنى أقوال الصحابة، وفقد ثبت النقل عنهم صريحًا بذلك في الحلف بالعتق والنذر، وتعليلهم ، وعموم كلامهم يتناول الحلف بالطلاق، وقد ثبت عن غير واحد من السلف أنه لا يلزم الحلف بالطلاق طلاقًا كما ثبت عن طاوس، وعكرمة، وعن أبي جعفر، وجعفر ابن محمد، ومن هؤلاء من ألزم الكفارة وهو الصحيح، ومنهم من لم يلزمه الكفارة.
فللعلماء في الحلف بالطلاق أكثر من أربعة أقوال، قيل يلزمه مطلقًا كقول الأربعة، وقيل لا يلزمه مطلقًا كقول أبي عبد الرحمن الشافعي وابن حزم وغيرهما، وقيل إن قصد به اليمين يلزمه، وهو أصح الأقوال، وهو معنى قول الصحابة اليمين) .
ثانيًا: الكفارة
تمهيد
لقد خص الله هذه الأمة، كما خص رسولها صلى الله عليه وسلم بخصائص لم يخص بها أحدًا من العالمين، ولم يمنحها لأحد من السابقين، من تلكم الخصائص والميزات التي انفردت بها الأمة الإسلامية على ما سواها الكفارة، حيث لم يكن في شرع من قبلنا كفارة، بل كانت اليمين توجب عليهم فعل المحلوف عليه، ولهذا (أمر الله أيوب عليه السلام أن يأخذ بيده ضغثًا فيضرب به، ولا يحنث، لأنه لم يكن في شرعه كفارة يمين، ولو كان في شرعه كفارة يمين كان ذلك أيسر عليه من ضرب امرأته ولو بضغث) .
فعلينا أن نعرف لهذه النعم قدرها، وأن نوليها شكرها، ونعمل على نشرها، وأن لا نستهين بفعلها.
الأيمان كما سبق أن ذكرنا يمينان، يمين فاجرة كاذبة، الغرض منها المكر والخديعة والغدر، فهذه لا تنعقد ولا كفارة عليها عند عامة أهل العلم، لأنها أكبر من أن تكفرها أوتمحوها حفنة من طعام ، أو خرقة من لباس، وهي اليمين الغموس التي تستقطع بها حقوق العباد، وينتشر بواسطتها الفساد والحقد في البلاد، وهي أن يحلف وهو موقن أنه كاذب، فاجر، مخادع، مماكر، فهذه ليس لصاحبها إلا التوبة النصوح ورد الحقوق إلى أصحابها، أواستسماحهم إن تيسر، أوالدعاء لهم.