فهرس الكتاب

الصفحة 1287 من 1363

أما اليمين التي تنعقد وتمحوها الكفارة فهي اليمين التي تكون في المستقبل وينوي صاحبها الوفاء بها ، ولكن لم يتمكن من ذلك ، إما لأنه رأى غيرها خيرًا منها، وإما لعدم بر المحلوف عليه لقسمه، وإما لضعف وعجز ونحو ذلك.

ومن رحمة الله عز وجل بعباده كذلك أن جعل كفارة اليمين على التخيير ، فالحانث في يمينه بالخيار بين الإطعام، والكسوة، أوالعتق، فبدأ بالأمور التي خيرها متعدٍ على الفقراء والمساكين والمملوكين، لأنهم أولى الخلق بالرحمة والعطف والإنفاق، ثم لم يضيق على عباده، فمن لم يجد سبيلًا إلى الإطعام ولا الكسوة والعتق، فقد رخص له في الصوم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (ما كان في كتاب الله"أو"فهو مخير فيه، وما كان"فمن لم يجد"فالأول الأول) .

فكفارة اليمين ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع لقوله تعالى:"لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمأن فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أوكسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم"الآية، ومن السنة الحديث السابق:"إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك"، ولهذا أجمعت الأمة على مشروعيتها وثبوتها، لهذه الأدلة ولغيرها.

واعلم أخي الكريم أن الكفارة عبادة من العبادات، والعبادات توقيفية، لا مجال للعقل فيها والرأي، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقال في حجة الوداع:"لتأخذوا عني مناسككم"، فالحذر كل الحذر من إفراغ النصوص من مدلولها، وعليك بمنهج السلف الأذكياء الأخيار، سيما الصحابة الأطهار من المهاجرين والأنصار، فإنهم أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا ، وأفضلها منهجًا وسبيلًا؛ واحذر واجتنب مسلك المبتدعة المغرورين الأشرار، قديمًا وحديثًا، فإنهم على سبل كلها تقود إلى النار، وتوجب غضب الجبار وتورث دار البوار.

كفارة اليمين مرتبة

أولًا: الحر

الإطعام

قال تعالى:"فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم"الآية، مسلمين أحرارًا، صغارًا كانوا أم كبارًا، ذكورًا كانوا أم إناثًا.

والمراد بالأوسط الأعلى والأفضل، وقيل الوسط.

فالإطعام إما أن يعطي كل واحد من العشرة مدًا، وقيل مد ونصف؛ وقيل من البر نصف صاع ومن التمر والشعير والذرة ونحوها صاع؛ وإما أن يغدي العشرة ويعشيهم، سواء كان يصنعه لهم في منزله أو يذهب بهم إلى مطعم، شريطة أن يشبعهم.

ولا يجزئ أن يعطيهم مبلغًا من المال ليطعموا أنفسهم، ولا يكفي أن يعطيهم خبزًا بدون إدام، ولا وجبة واحدة.

أما دفع الكفارة لمسكين واحد أو أكثر لمدة أيام فمنع من ذلك مالك والشافعي ومن وافقهم، وأجازه أبو حنيفة، رحم الله الجميع.

ولا يجوز أن يطعم غنيًا أوذا رحم تجب عليه نفقته ، واستحب مالك أن لا يطعم ذا رحم لا تجب عليه نفقته.

قال القرطبي رحمه الله:(قال مالك: إن غدى عشرة مساكين وعشاهم أجزأه، وقال الشافعي: لا يجوز أن يطعمهم جملة واحدة، لأنهم يختلفون في الأكل، ولكن يعطي كل مسكين مدًا. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لا يجزئ إطعام العشرة وجبة واحدة، يعني غداءًا دون عشاء، أو عشاءًا دون غداء، حتى يغديهم ويعشيهم، قال أبو عمر ـ ابن عبد البر: وهو قول أئمة الفتوى بالأمصار، وقال ابن حبيب: ولا يجزئ الخبز قَفَارًا بل يعطي معه إدامه.

إلى أن قال: لا يجوز عندنا دفع الكفارة إلى مسكين واحد، وبه قال الشافعي، وأصحاب أبي حنيفة يمنعون صرف الجميع إلى واحد دفعة واحدة، ويختلفون فيما إذا صرف الجميع في يوم واحد بدفعات مختلفة، فمنهم من أجاز ذلك.. وقال آخرون: يجوز دفع ذلك إليه في أيام، وإن تعدد الأيام يقوم مقام أعداد المساكين).

وقال ابن قدامة رحمه الله: (أن يكونوا أحرارًا، فلا يجزي دفعها إلى عبد، ولا مكاتب، ولا أم ولد، وبهذا قال مالك والشافعي... مسلمين، ولا يجوز صرفها إلى كافر ذميًا كان أوحربيًا) .

الكسوة

أ . للرجل: قميص وسروال، أوجلابية أوثوب وعمامة.

ب . للمرأة: ما يجزئها فيها الصلاة، وهو درع وخمار، وعباءة وخمار، أوثوب ساتر، أوفستان يغطي جميع بدنها.

ففي الجملة ثوبان لكل مسكين مسلم حر من العشرة، ذكرًا كان أم أنثى، صغيرًا كان أم كبيرًا، ويشترط فيهم أن يكونوا مسلمين أحرارًا.

والكسوة تكون من أوسط ما يلبس الناس.

لا يجزئ القيمة في الكسوة كما لا تجزئ في الإطعام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت