فهرس الكتاب
يقول ابن إسحاق: (ثم مضوا حتى نزلوا معانًا من أرض الشام فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، و انضم إليه من لخم و جذام و القين و بهراء و بلى مائة ألف منهم عليهم رجل من بلى، ثم أحد أراشة يقال له: مالك بن رافلة، و في رواية يونس عن ابن إسحاق: فبلغهم أن هرقل نزل بمآب في مائة ألف من الروم و مائة ألف من المستعربة، وقيل كان الروم مائتي ألف ومن أعدائهم خمسون ألفا وأقل ما قيل: أن الروم كانوا مائة ألف ومن العرب خمسون ألفا حكاه السهيلي، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم، و قالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم نخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، و أما أن يأمرنا بأمره فنمضي له، قال: فشجع الناس عبد الله بن رواحة و قال: يا قوم و الله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، و ما نقاتل الناس بعدد و لا قوة و لا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور و إما شهادة، قال: فقال الناس: قد و الله صدق ابن رواحة)
البداية والنهاية 4/243
قال ابن إسحاق: (( و جعل رسول الله صلى الله عليه و سلم يناشد ربه ما وعده من النصر و يقول فيما يقول « اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد » و أبو بكر يقول: يا نبي الله بعض مناشدتك ربك فإن الله منجز لك ما وعدك، و قد خفق النبي صلى الله عليه و سلم خفقة و هو في العريش ثم انتبه فقال: « أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع » يعني الغبار. قال: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الناس فحرضهم. و قال: « و الذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة » قال عمير بن الحمام أخو بني سلمة و في يده تمرات يأكلهن: بخ بخ أفما بيني و بين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ؟ قال: ثم قذف التمرات من يده و أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل رحمه الله
وقال أيضًا (( دنا المشركون فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: « قوموا إلى الجنة عرضها السموات و الأرض » قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري يا رسول الله جنة عرضها السموات و الأرض ؟ قال: « نعم ! » قال: بخ بخ ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: « ما يحملك على قول بخ بخ ؟ » قال: لا و الله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: « فإنك من أهلها » قال فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها حياة طويلة، قال: فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل رحمه الله. و رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة و جماعة عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة به، و قد ذكر ابن جرير أن عميرًا قاتل و هو يقول رضي الله عنه:
ركضًا إلى الله بغيرِ زادِ إلا التُّقَى و عمل المعادِ
والصبرُ في الله على الجهادِ و كلُّ زادٍ عُرضَة النفاد
غيرَ التّقى و البِرِّ و الرشادِ
وقاتلهم رضي الله عنه حتى قتل البداية والنهاية 3/277
3ـ تربية المؤمنين على الصبر والثبات والطاعة وبذل النفس وغير ذلك من الفوائد التربوية فإن الركون إلى الراحة والدعة وعدم ممارسة الشدائد والصعاب تورث العبد ذلًا وخمولًا وتشبثًا بمتاع الحياة الدنيا ، وخوض المعارك ومقارعة الأعداء والتعرض لنيل رضا الله في ساحات الوغى يصقل النفوس ويهذبها ويذكرها بمصيرها ويوجب لها استعدادًا للرحيل حتى تصبح ممارسة الجهاد عادة تشتاق لها كما يشتاق الخاملون للقعود والراحة ، وتتربى في النفس البشرية من الجهاد صفات كثيرة كصفة الشجاعة والنجدة والصبر والأخوة والعفو ونحو ذلك من الصفات المحمودة ويزول من النفس ما يقابلها من الصفات المذمومة كصفة الجبن والشح والأنانية ونحو ذلك .
4ـ الحصول على الغنائم والسبي ، وإن لها لموقعًا في النفس البشرية ، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يعطي القاتل سلب المقتول ، وينقل جزءًا من الغنيمة لبعض الجيش إذا قاموا بعمل حربي بمفردهم ، وقال لبعض أصحابه لما بلغه خبر عير أبي سفيان راجعة من الشام (( هذه عير قريش فيها أموالهم ، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها ) )
البداية والنهاية 3/256
وقال صلى الله عليه وسلم حين خروجه من المدينة قاصدًا التعرض لعير قريش (( اللهم إنهم حفاة فاحملهم ، اللهم إنهم عراة فاكسهم ، اللهم إنهم جياع فأشبعهم ) )1003 الصحيحة .
وقال القرطبي (ودل خروج النبي صلى الله عليه وسلم ليلقى العير على جواز النفير للغنيمة ، لأنها كسب حلال ، وهو يرد على ما كره مالك من ذلك إذ قال:ذلك قتال على الدنيا ، وما جاء أن من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ، دون من يقاتل للغنيمة ، يراد به إذا كان قصده وحده وليس للدين فيه حظ) تفسير القرطبي7/376