فهرس الكتاب
ويقول ابن القيم رحمه الله (( ..ولا شيء أحب إلى الله من مراغمة وليه لعدوه وإغاظته له ، وقد أشار سبحانه إلى هذه العبودية في مواضع من كتابه أحدها قوله تعالى (( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغمًا كثيرة وسعة ) )سمى المهاجر الذي يهاجر إلى عبادة الله مراغمًا يراغم به عدوه الله وعدوه ، والله يحب من وليه مراغمة عدوه وإغاظته كما قال تعالى (( ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ، ولا يطأون موطئًا يغيظ الكفار ، ولا ينالون من عدو نيلًا إلا كتب لهم به عمل صالح ، إن الله لا يضيع أجر المحسنين ) )، وقال تعالى في مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه (( ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ) )فمغايظة الكفار غاية محبوبة للرب مطلوبة ، فموافقته فيها من كمال العبودية وشرع النبي صلى الله عليه وسلم للمصلي إذا سها في صلاته سجدتين وقال (( إن كانت صلاته تامة ، كانتا ترغمان أنف الشيطان ) )وفي رواية (( ترغيمًا للشيطان ) )وسماهما المرغمتين ، فمن تعبد الله بمراغمة عدوه فقد أخذ من الصديقية بسهم وافر ، وعلى قدر محبة العبد لربه وموالاته ومعاداته لعدوه يكون نصيبه من هذه المراغمة ، ولأجل هذه المراغمة حمد التبختر بين الصفين )) مدارج السالكين1/226.
وللجهاد أهداف سامية ومصالح كريمة وفوائد عظيمة ، تتحقق للمسلمين في ذوات أنفسهم إذا مارسوا الجهاد على سبيل المثال:
1ـ كشف المنافقين . . فإن المسلمين في حال الرخاء والسعة ينضاف إليهم غيرهم ممن يطمعون في تحقيق مكاسب مادية وهم لا يريدون رفع كلمة الله على كلمة الكفر ، وقد يتصنعون الإخلاص فيخفى أمرهم على كثير من المسلمين ، وأكبر كاشف لهم هو الجهاد لأن في الجهاد لأغلى ما يملك الإنسان غير عقيدته وهو روحه ، والمنافق ما نافق إلا ليحفظ روحه وليوفر لنفسه ملذاتها ، فإذا دعا داعي الجهاد الذي قد يعرضه لفقد روحه انكشف نفاقه للناس ، يقول تعالى (( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ) )179آل عمران، ويقول تعالى (( فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ) )20محمد
ومعرفة المؤمنين للمنافقين فيها فوائد لا تحصى ، فإنهم العدو الداخلي وخطرهم يفوق خطر العدو الخارجي أحيانًا ، فإذا عُرفوا مُنعوا من الغزو مع المسلمين ، ولا يستمع المؤمنون لما يعرضونه عليهم من أراجيف وتثبيط ومن أقوال يلبسونها ثياب النصح والإصلاح ، وجاهدهم المؤمن بما أمرهم الله به (( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ) )73التوبة.
2ـ تمحيص المؤمنين من ذنوبهم ، فإن المجاهد المسلم إذا أخلص النية لله إذا حضر المعركة فقتل الكفار ، نال ثوابًا عظيمًا ، كما جاء في الحديث (( لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدًا ) )رواه أبو داود .. وإذا خالط قلبه الرهج والخوف في سبيل الله تحاتت عنه خطاياه ، وأما إذا قتله الكفار فذلك الفوز الذي لا يعدله فوز .... الشهادة .... وما أدراك ما الشهادة.
يقول صلى الله عليه وسلم (( ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد ، يتمنى أن يرجع فيقتل عشر مرات ، لما يرى من الكرامة ) )رواه البخاري
فالشهادة في سبيل الله وتكفير الذنوب هدف رفيع وفائدة عظيمة تعود على المسلمين من جهادهم .. يقول تعالى (( وتلك الأيام نداولها بين الناس ، وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين ، وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) )140-142 آل عمران.
وقد أدرك الصحابة رضوان الله عليهم هذا الهدف الرفيع وهو تمحيص الذنوب وهذه الفائدة العظيمة والمنزلة الرفيعة وهي الشهادة ، فشمروا وتسابقوا للفوز بذلك ..