فهرس الكتاب
وقال القرطبي رحمه الله:(أقل الاعتكاف عند مالك وأبي حنيفة يوم وليلة، فإن قال: لله عليَّ اعتكاف ليلة، لزمه اعتكاف ليلة ويوم، وكذلك إذا نذر اعتكاف يوم لزمه يوم وليلة، وقال سُحنون: من نذر اعتكاف ليلة فلا شيء عليه، كما قال سُحنون؛ وقال الشافعي: عليه ما نذر، إن نذر ليلة فليلة، وإن نذر يومًا فيومًا؛ قال الشافعي: أقله لحظة ولا حد لأكثره.
وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: يصح الاعتكاف ساعة، وعلى هذا القول فليس من شرطه الصوم، وروي عن أحمد بن حنبل في أحد قوليه، وهو قول داود بن علي وابن علية، واختاره ابن المنذر وابن العربي).
وقال ابن مودود الحنفي رحمه الله: (ومن أوجب على نفسه اعتكاف أيام لزمته بلياليها متتابعة، ولو نوى النهار خاصة صُدِّق) .
متى يدخل من نوى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان؟ ومتى يخرج؟
أ. متى يدخل معتكفه؟
ذهب أهل العلم في دخول المعتكف العشر الأواخر من رمضان المسجد مذهبين:
الأول: يدخل بعد صلاة فجر يوم واحد وعشرين من رمضان، وهذا مذهب الأوزاعي، والليث، والثوري، وأحمد، وإسحاق من الأئمة، وحجتهم حديث عائشة:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل في معتكفه".
وخرَّج البخاري في صحيحه عن عائشة كذلك قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان، فإذا صلى الغداة دخل مكانه الذي اعتكف فيه".
وهذا هو الراجح.
الثاني: يدخل قبيل غروب شمس ليلة إحدى وعشرين من رمضان، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وطائفة من أهل العلم، وأولوا حديث عائشة بتأويلات مختلفة، كلها فيها نظر.
قال الحافظ الترمذي معلقًا على حديث عائشة السابق:(والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، يقولون: إذا أراد الرجل أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل في معتكفه، وهوقول أحمد، وإسحاق بن إبراهيم.
وقال بعضهم: إذا أراد أن يعتكف فلتغب الشمس من الليلة التي يريد أن يعتكف فيها من الغد وقد قعد في معتكفه، وهو قول الثوري ومالك بن أنس).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرح حديث عائشة السابق: (وفيه أن أول الوقت الذي يدخل فيه المعتكف بعد صلاة الصبح، وهو قول الأوزاعي، والليث، والثوري، وقال الأئمة الأربعة وطائفة: يدخل قبيل غروب الشمس، وأولوا الحديث على أنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح) .
وقال القرطبي رحمه الله:(اختلف العلماء في وقت دخول المعتكف في اعتكافه، فقال الأوزاعي بظاهر هذا الحديث، وروي عن الثوري والليث بن سعد في أحد قوليه، وبه قال ابن المنذر وطائفة من التابعين، وقال أبو ثور: إنما يفعل هذا من نذر عشرة أيام، فإن زاد عليها فقبل غروب الشمس، وقال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم: إذا أوجب على نفسه اعتكاف شهر دخل المسجد قبل غروب الشمس من ليلة ذلك اليوم؛ وقال مالك: وكذلك كل من أراد أن يعتكف يومًا أوأكثر.
إلى أن قال: وحديث عائشة يرد هذه الأقوال، وهي الحجة عند التنازع، وهو حديث ثابت لا خلاف في صحته).
وقال مالك: (.. أن يدخل الذي يريد الاعتكاف في العشر الأواخر حين تغرب الشمس من ليلة إحدى وعشرين، ويصلي المغرب فيه) .
وقال الشافعي رحمه الله: (ومن أراد أن يعتكف العشر الأواخر دخل فيه قبل الغروب، فإذا أهل هلال شوال فقد أتم) .
ب. متى يخرج من معتكفه؟
يخرج المعتكف في العشر الأواخر من رمضان بعد ثبوت هلال شوال، واستحب له طائفة من أهل العلم أن يبقى في معتكفه حتى يصلي العيد.
قال مالك رحمه الله: (ثم يقيم فيخرج حتى يفرغ من العيد إلى أهله، وذلك أحب الأمر إليِّ فيه) .
وقال القرطبي:(استحب مالك لمن اعتكف العشر الأواخر أن يبيت ليلة الفطر في المسجد حتى يغدو منه إلى المصلى، وبه قال أحمد، وقال الشافعي والأوزاعي: يخرج إذا غابت الشمس، ورواه سُحنون عن ابن القاسم، لأن العشر يزلن بزوال الشهر، والشهر ينقضي بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان.
وقال سُحنون: إن ذلك على الوجوب، فإن خرج ليلة الفطر بطل اعتكافه؛ وقال ابن الماجشون: وهذا يرده ما ذكرناه من انقضاء الشهر، ولو كان المقام ليلة الفطر من شرط صحة الاعتكاف لما صح اعتكاف لا يتصل بليلة الفطر، وفي الإجماع على جواز ذلك دليل على أن مقام ليلة الفطر للمعتكف ليس شرطًا في صحة الاعتكاف).
تنبيه: أما ما سوى العشر الأواخر فعلى المعتكف إتمام ما نوى وحدد من أيام وليالٍ.
خاتمة
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعد..
إن كان تعجب ابن شهاب رحمه الله من ترك المسلمين للاعتكاف مع مداومته صلى الله عليه وسلم عليه منذ أن هاجر إلى المدينة وإلى أن توفاه الله، فتعجبي اليوم أشد من أولئك النفر من إخواننا المسلمين الذين يحرصون على الاعتمار في ليلة سبع وعشرين من رجب، وإحياء ليلة النصف من شعبان، وصوم نهارها، ونحو ذلك من الأمور المحدثة التي لم يصح فيها دليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع تركهم وتهاونهم في هذه السنة المؤكدة.