فهرس الكتاب
فمن أهل العلم من أجاز للمعتكف أن يشترط لقطع اعتكافه والخروج من معتكفه لفعل مباح، ومنهم من منع عن ذلك.
قال مالك رحمه الله: (لم أسمع أن أحدًا من أهل العلم يذكر أن في الاعتكاف شرطًا لأحد، وإنما الاعتكاف عمل من الأعمال كهيئة الصلاة، والصيام، والحج، فمن دخل في شيء من ذلك فإنما يعمل فيه بما مضى من السنة في ذلك، وليس له أن يحدث في ذلك غير ما مضى عليه الأمر بشرط يشترطه أوبأمر يبتدعه، وإنما الأعمال في هذه الأشياء بما مضى فيها من السنة، وقد اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف المسلمون سنة الاعتكاف) ، يعني ولم يشترطوا.
وقال الشافعي رحمه الله: (ولا بأس أن يشترط في الاعتكاف الذي أوجبه بأن يقول: إن عرض لي عارض خرجت) .
وقال الماوردي رحمه الله:(وجملة الاعتكاف ضربان: واجب وتطوع، فأما التطوع فلا يفتقر إلى شرط الخيار في المقام على اعتكافه والخروج منه، وأما الواجب فهو النذر وهو على ضربين:
فالمطلق بغير شرط فهو ممنوع فيه من الخروج إلا لحاجة الإنسان، فإن خرج لغيرها بطل اعتكافه، وأما المقيد بشرط فهو على ضربين:
إلى أن قال: فإذا تقرر جواز اشتراط الخروج من الاعتكاف دون ما سواه من العبادات، لم يخل حال ما اشترطه وخرج له من أحد أمرين: إما أن يكون محظورًا أومباحًا، فإن كان مباحًا كاستقبال قادم، أواقتضاء غريم، ولقاء سلطان، أوكان مستحبًا كعيادة مريض، وتشييع جنازة، أوكان واجبًا كحضور الجمعة، جاز، ولزمه العود إلى اعتكافه والبناء عليه، وتكون مدة خروجه مستثناة بالشرع، وإن كان محظورًا فعلى ضربين:
وقال ابن قدامة رحمه الله: (إذا اشترط فعل ذلك في اعتكافه فله فعله، واجبًا كان الاعتكاف أوغير واجب، وكذلك ما كان قربة، كزيارة أهله، أورجل صالح، أوعالم، أوشهود جنازة، وكذلك ما كان مباحًا كالعَشَاء في منزله، والمبيت فيه، فله فعله، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن المعتكف يشترط أن يأكل في أهله؟ قال: إذا اشترط فنعم؛ قيل له: وتجيز الشرط في الاعتكاف؟ قال: نعم؛ قلت له: فيبيت في أهله؟ قال: إذا كان تطوعًا جاز.
وممن أجاز أن يشترط العشاء في أهله الحسن، والعلاء بن زياد، والنخعي، وقتادة، ومنع منه أبو مِجْلَز، ومالك، والأوزاعي.
قال مالك: لا يكون في الاعتكاف شرط، ولنا أنه يجب بعقده، فكان الشرط كالوقوف، ولأن الاعتكاف لا يختص بقدر، فإذا شرط الخروج فكأنه نذر القدر الذي أقامه، وإن قال: متى مرضت أوعرض لي عارض خرجت جاز شرطه.
وإن شرط الوطء في اعتكافه، أوالفرجة، أوالنزهة، أوالبيع للتجارة، أوالتكسب بالصناعة في المسجد لم يجز.
ما يباح للمعتكف
يباح للمعتكف ما يأتي:
1.التنظف وتغيير الثياب ولبس ما شاء منها.
2.الأكل والشرب في المسجد.
3.محادثة الإخوان والأنس معهم.
4.أن يخطب ويتزوج.
5.أن يصعد إلى سطح المسجد أوينزل في قبوه.
6.الحلق وتقليم الأظافر.
7.التطيب.
ما يستحب للمعتكف
1.يستحب للمعتكف أن يعتكف في خباء وستر، وإن لم يتمكن من ذلك كما هو الحال في الحرمين الشريفين فعليه أن يلزم مكانًا ساترًا معينًا واحدًا لا يتركه إلا لضرورة، وعليه أن يتجنب المداخل، ومناطق الصلاة، والزحام، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
2.المحافظة على الصلوات المكتوبة، والسنن الرواتب، والنوافل.
3.الإكثار من تلاوة القرآن.
4.لا يزال لسانه رطبًا من ذكر الله.
5.الصيام في غير رمضان لمن اعتكف نهارًا.
6.الاجتهاد في الطاعات عمومًا والإكثار منها.
7.لا يشتغل بما لا حاجة له به.
أقل الاعتكاف وأكثره
لا حدَّ لأقل اعتكاف التطوع ولا لأكثره، ولكن السنة لمن اعتكف العشر الأواخر من رمضان ألا يخرج إلا بعد ثبوت هلال شوال، ولأهل العلم في أقل الاعتكاف مذاهب بعد أن أجمعوا ألا حد لأكثره، فمنهم من قال أقله لحظة، ومنهم من قال ساعة، ومنهم من قال يوم وليلة، ومنهم من قال أقله عشرة أيام، وهكذا.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (واتفقوا على أنه لا حد لأكثره، واختلفوا في أقله، فمن شرط فيه الصيام قال: أقله يوم؛ ومنهم من قال: يصح مع شرط الصيام في دون اليوم؛ حكاه ابن قدامة، وعن مالك يشترط عشرة أيام، وعنه يوم أويومان، ومن لم يشترط الصوم قالوا: أقله ما يطلق عليه اسم لبث، ولا يشترط القعود، وقيل يكفي المرور مع النية كوقوف عرفة.
وروى عبد الرزاق عن يَعْلَى بن أمية الصحابي أنه قال:"إني لأمكث في المسجد الساعة، وما أمكث إلا لأعتكف".