العلة بعينها موجودة في النفسِ، فإن جاز له الدفع عن العرضِ الذي لا يجوز بذله ولو كان الصائل سلطانا، فإن الدفع عن النفسِ جائز لأنها كالعرض لا يجوز بذلها ابتداء [1] .
وسؤال آخر: هل يجوز السكوت على حاكم - ولو كان مسلما - أراد أن يأخذ أموال كل المسلمين في بلده، أو يعتدي على حرماتهم وأعراض نسائهم أو قتلهم جميعا، فإن أجابوا بالجواز فقد جوزوا
هلاك أهل الإسلام واصطلامهم جميعا، وقائل هذا إما أنه يهرف بما لا يعقل بل لا عقل له البتة، أو أنه زنديق يجوز هلاك كل أهل الإسلام.
ويحمل ما ورد في الصبر على جور الحكام على ما يقع منهم من ظلم في الأموال أو ضرب الأبشار مما لا يستطيع الإنسان الدفاع عنه إلا بإثارة فتنة بين المسلمين، أو يكون هذا في منع حق قد وجب له لم يملكه المسلم بعد وهذا مما يحدث كثيرا، وليس في الحديث أي إشارة إلى تسليم المال لمن أراده ولو كان السلطان، بل غاية ما فيه أن السمع والطاعة للإمام لا تسقط بجوره وظلمه، وإن بلغ ذلك أخذ المال وضرب الظهر، فإن كان المخالف يفهم أن المراد السمع والطاعة في أخذه للمالِ وضربه للظهر، فأول ما يلزم على هذا أنه يجب عليه إن طلب منه السلطان ما طلب من المال ظلما وجورا أن عليه الامتثال وجوبا، وأن يسعى بنفسه إلى السلطان ويناوله ماله، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة للإمام في هذا الأمر خاصة، وكذا إن طلبه ليضربه، فليس له الامتناع عنه ولا الفرار منه أو الهروب والخروج من ظلمه بأيِ طريقٍ، ويكون واجبا عليه إعانة السلطان على ظلمه له، ويحرم عليه أن يفر ولا يمكن السلطان من ماله أو ظهره، وهذا خلاف هدي كل من حفظنا عنه من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة، ومن المأثور عن كثير من الأئمة الفرار من الظلمة والهروب منهم وسنذكر في آخر هذه المسألة طرفا من ذلك [2] .
(1) يقول الشيخ فيصل بن عبد العزيز النجدي (المتوفى: 1376 هـ) معلقا على كلام ابن المنذر:"وهذا في المال والدم وأما الحريم فليزمه الدفع" (بستان الأحبار مختصر نيل الأوطار) (أحمد) .
(2) أنظرها في أصل الكتاب (أحمد) .